فلسفتان تتخاطفان مستقبل البشرية علي هذه الأرض!

حجم الخط
0

فلسفتان تتخاطفان مستقبل البشرية علي هذه الأرض!

مطاع صفديفلسفتان تتخاطفان مستقبل البشرية علي هذه الأرض! العالم يتغير في كل لحظة. والزمن العالمي هو زمن التحولات المتسارعة والمفاجئة. الخارطة الجيوسياسية الاقتصادية العسكرية تتحرك تضاريسها. وتتصالب حدود القوي الرئيسية فيما بينها، وملء ساحات المواجهات المكشوفة والمتوارية، بإيقاع منعطفات حادة، لا تكاد تستوعبها حتي أمهر مراكز البحث الدولية المتخصصة والعريقة. بالطبع فالدول العربية هي في جهل تام لما يحدث حولها. حكوماتها منشغلة قياداتها بهموم البقاء، وابتكار أساليب القمع والنهب، والمزيد من السيطرة الباغية علي شعوبها المستكينة، وإحباط أبسط تحركاتها وراء شعارات المعارضة والإصلاح المسدودة الآفاق أمامها، والممنوعة من تسجيل أية خطوات عملية علي دروبها مهما كانت متواضعة وعارضة.ليس ثمة وزارة للخارجية، حتي في أهم الدول العربية، تمتلك أجهزة الخبرة الفكرية لمتابعة الحدثان العالمي من حولها. ولا سلطاتُها تسمح بنشوء مراكز أبحاث أهلية مستقلة، تتخصص ليس بالدراسات الميدانية، بل القادرة فحسب علي متابعة ما يتيسر لها من الاطلاع علي بعض الدراسات الصادرة عن خلايا التفكير المنتشرة في معظم البلدان المتقدمة.الدول العربية في عماءٍ شبه تام وسط حدثان المعمورة، الفائض بكثافته ونوعيته عن أية حقبة دولية سابقة، منذ انتهاء الحرب الباردة. هذا الحدثان الراهن لن تفلت من مؤثراته وتداعياته أية بقعة نائية في الجغرافيا الاستراتيجية. فكيف بالنسبة للقارة العربية الإسلامية، الواقعة دائماً، شاءت أم أبت، في عين أخطر الصراعات، والمتلقية منها أبشع إنتاجاتها وأشدها بربرية؛ والمتخصصة في تصدير نوعها الشيطاني المتميز الإدارة الأمريكية الحالية تحديداً.هذه الإدارة عقدت أخيراً مؤتمر قمة مع شريكها اللدود الاتحاد الأوروبي. وعنوان أجندة المباحثات التهديد النووي الإيراني. لكن العناوين الأخري المتضمنة تتناول جذور المواقف المتباينة أصلاً ما بين جناحي الأطلسي، والمتفجرة مع مشكلة غزو العراق. ومن هنا سوف تتعدي خلفية البنود مشكلات السطح الجيوساسي إلي العمق الجيوفلسفي لأصل الخلاف التنافسي ما بين طرفي الثنائية الغربية التي تناوَبَ قطباها علي حكم العالم بدءاً من نشوء الاستعمار الأوروبي والسيطرة علي العالم الموصوف بالمتمدن ورديفه المتخلف في آسيا وأفريقيا. ثم وصولاً إلي الهيمنة الأمريكية التي تبلغ ذروتها بعد سقوط المعسكر الاشتراكي. ما لم تتوقعه أوروبا من توأمها التاريخي هو أن يشملها الإقصاء الأمريكي، ويُغمطها حقها (التاريخي) في حكم العالم، أو في تقاسمه علي الأقل. لكن جموح الصلف الذي يرافق عادةً المستكبر المنفرد بسلطة القوي الأقوي، لا يجد مسوّغاً لمنح من هو أضعف منه ما لا يستحقه، ويكون قادراً علي فرضه بساعده. والقوي في السياسة كالوحش المهيمن في الغاب الابتدائي، لن يكون تبرعه ببعض الفائض من جبروته إلا مقابل قبول الآخر بالاحتواء والانضمام طوعاً إلي البقية من معسكر الأتباع. ذلك الوضع الدرامي الكوميدي لمصير أوروبا، أم الحضارة ورائدة المدنية الحداثية ـ كما يتغني زعماؤها بذلك ومفكروها ـ لن يخطر ببال أحد من قادة فرنسا وألمانيا، علي الخصوص لن يكون هذان البلدان مضطرين للاختيار بين الإقصاء عن جنة العم سام، أو الالتحاق بالأخ الأكبر في البيت الأبيض. بل التمسك فقط بخصوصية تجربتهما.مثلما اختلفت أوروبا مع بوش ومستشاريه من عصابة المحافظين الجدد حول كل القضايا الرئيسية التي أعقبت تدمير برجي نيويورك، انطلاقاً من تحديد الأسباب الحقيقية لهذه الهجمة الفريدة باسم الإسلام الأصولي، ومن ثم يبدأ الرفض الأوروبي في الانصياع إلي قانون بوش في إعلان الحرب العالمية ضد الإرهاب، الذي فهمه الأوروبيون علي حقيقته، كونه الذريعة الحديثة لوضع مشروع الإمبراطورية موضع التنفيذ الفعلي. ثم يتنامي التباين الأكبر مع التحضير الإعلامي والعسكري لغزو العراق تحوّل التعارض في الرأي والتحليل إلي شرخ حقيقي في صميم المعسكر الغربي التقليدي الذي كان شهد أفضل فتراته مع الحربين العالميتين الأولي والثانية واستئنافها فيما دُعي بالحرب الباردة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.إن الشرخ السياسي الأقوي والأعمق الذي لم يلبث أن تصاعد إلي مستوي استراتيجي فلسفي غير مسبوق، أتاح تظهير عقد لا شعورية متراكمة ومتنامية، وتعود أصولها ربما إلي ذلك العهد الأول من نشوء دولة الولايات المتحدة، منطلقة من أسطورة تأسيس (للعالم الجديد) الذي سيخلف أوروبا، القارة الهرمة، العتيقة بأنظمتها الملكية وكنائسها المتسلطة، وصراعاتها الطبقية داخلياً فالقوموية داخل القارة نفسها، والاستعمارية ثم الإيديولوجية قارياً وعالمياً معاً، طيلة القرنين الأخيرين من الألفية الثانية. لكن أوروبا بالمقابل تري نفسها أنها هي التي أشادت عصر الحداثة بكل مزاياها ونواقصها، وأنها دفعت أثماناً باهظة علي طريق تصحيحها وخوض تجاربها التحويلية الكبري. فتعلمت كامل الدروس القاسية، وهي المطلوب تعلمها لتحمل أعباء حضارة العنف واكتشاف دروب العقل الحقيقية المؤدية إلي اجتيازها وتجاوزها نحو المدنية الكونية التي طالما حلمت بها فلسفات الأمم الناهضة ولم تبلغ معانيها أو تقارب حدودها، في حين تعتقد أوروبا أنها كشفت طريق النجاة من كارثيات العنف وحبائله العبثية. وهي تري الآن أمريكا واقعة في هذه الحبائل عينها، وأنها تكرر أحلاماً بائدة لأوروبا في أزمان إمبراطورياتها الاستعمارية.اعتاد مثقفو اليسار الأوروبي الجديد النظر إلي الفخ العراقي الذي سقط فيه المشروع الإمبراطوري لأمريكا أنه قد حفل بنماذج (المآثر) الكارثية المتوقعة وغير المتوقعة، منذ أن اهتدي بعض عقلاء القادة الأوروبيين إلي عقم تلك الحرب. وقاوموا دعايتها المفرطة، ورفضوا الانسياق في أكاذيب التبريرات والحجج المفبركة لتسويغها وترويجها لدي جماهير المعمورة كلها. وكان رفض هذه الجماهير قد ابتكر التظاهرات المليونية التي ملأت شوارع العواصم الأوروبية قبل سواها أو برفقة البقية من عواصم العالم. ومع ذلك فإن منطق القوة قد أعمي أصحابه؛ فاعتقدت بطانة بوش أن فائض القوة الأحادية سيفرض الواقع الذي علي الآخرين الانصياع لقانونه أو الانتهاء إلي هوامش التاريخ.في هذا المؤتمر لم يدخل بوش منتصراً أمام قادة أوروبا. وإن كان سوف يحاول إقحامهم في تجربة غزو أخري؛ بل إذا كان ثمة من نصر ما فسيكون من نصيب الأوروبيين الذين صدقت توقعاتهم بالرأي والتحليل حول مسلسل المحن المادية والمعنوية التي سوف تلحق بجيش أمريكا وسمعتها، وتلك الفظائع التي فجرها عنف العدوان وبربرية الطغيان وتحملها العراق المنكوب وطناً وإنساناً، مجتمعاً وحضارة. ومع ذلك ليس لدي بوش من جواب سوي أنه يحارب الإرهاب الدولي الذي اجتمعت قواه في العراق ـ طبعاً بعد الغزو ـ وهو ما لم يقله بوش؛ يريد بذلك أن يخاطب الأوروبيين من موقع المدافع عن بلادهم. لكن الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، وهو الرئيس النمساوي الداعي إلي مؤتمر القمة السنوي هذا، يجيبه بأن أوروبا هي ضد الإرهاب كذلك، لكن دون أن تلغي الديمقراطية ولا تتعدي علي حقوق الإنسان. وهو يطالبه باسم الاتحاد بإغلاق سجن غوانتانامو. كما أن المؤتمر قد أثار مسألة السجون الطائرة التي اخترقت فضاءات القارة ناقلة أولئك التعساء من أسري المخابرات الأمريكية غير المدانين أصلاً بأية جرائم تمس القانون الأمريكي، وبالتالي يصعب علي الإدارة اعتقالهم في سجون الولايات المتحدة. فيجري نقلهم سراً إلي بلدان أخري. عُرفت هويات بعضها من دول أوروبا الشرقية، وكذلك شاركت بعض الأقطار العربية في مسؤولية هذا الشرف العظيم. فلم يكفها آلاف المعتقلين من أبنائها؛ فتقبلت المزيد منهم إرضاءً لسيدها الأكبر في البيت الأبيض. ما يعني أن مخطط عسكرة العالم أمنياً سائر علي قدم وساق في ظل هذه الحرب (الصليبية) كما نعتها بوش قائدها نفسه. وأن العراق لا يشكل سوي الساحة النموذجية لصولاتها وجولاتها وابتكار أساليبها البربرية الجديدة، وتجربة أسلحتها وممارسة عملياتها الموجهة. فتلك هي بعض الحجج السوداء، ولكن الواقعية، التي يدأب بوش علي تكرارها لإقناع المعارضين، واستمالة الشركاء العنيدين، من خانة بعض الرؤساء الأوروبيين المتابعين لمواقفهم السلبية ليس ضد غزوة العراق وحدها، بل ضد الأساس الفلسفي والحقوقي لمشروع الأمبطرة والهيمنة الأحادية لأمريكا. لكن تجربة المرحلة السابقة من تباعد جناحي الغرب، المصاحبة للغزوة العراقية، برهنت من جهة أخري أن التباعد مهما اشتط واستفلحت الفرقة، فهناك حدود تاريخية واستراتيجية لا يمكن لأحد الطرفين تجاوزها. فالجناحان ضروريان كيما يظل طائر الغرب محلقاً دائماً، متملكاً لوحده من قبة الفضاء العالمي. قد يدبّ التنافسُ بينهما، سياسياً واقتصادياً، بل ثقافياً علي الخصوص، وفي هذا العصر الراهن بالذات، حيثما تُطرح مسائل القطيعة البنيوية والفكرية مع حضارة العنف، والتوجه الموضوعي الشامل نحو مدنية حقوق الإنسان علي مستوي المعمورة، والتي يري الغرب الأوروبي نفسه في موقع المؤهل المتميز لريادتها، وإعطاء الأمثلة الحية عنها للآخرين. غير أن هذا التنافس بين أهل البيت الواحد يصير ثانوياً عندما تنشأ كتلٌ حضارية كبري أخري في هذه المعمورة الصغيرة التي ستضيق بالعمالقة القدامي ومن سينضاف إليهم من أشباههم المختلفين في التكوين الثقافي والإيديولوجي، ولكن المتمتعين كذلك بقدرات التقنية وإمكانية التفوق علي الأساتذة السابقين، كاليابان والصين والهند، وربما كل آسيا الشرقية قريباً.هنا وفي هذه النقطة تركيزاً، يرفض عقل المؤسسة الحاكمة في واشنطن مجاراة أوروبا في هذا الطموح (الإنسانوي) الذي بات يميز الشخصية المفهومية للغرب القديم. ويري فيه خطراً مصيرياً يتهدد صميم الأحادية الأمريكية، إذ أنه سوف يجبرها علي التخلي عما تعتقد أنه عنوان وجودها واستمراريتها ألا وهو مبدأ احتكار القوي التدميرية الأقوي، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لابتزاز ثروات الأمم، وضخها في آلتها الاستهلاكية الجبارة، وهي الأخطر علي ذاتها والبشرية معاً منذ مولد التاريخ. هذه الآلة التي يجري اليوم أشمل وأدق نقدٍ لها، والكشف عن عبثيتها القاتلة، حتي من قبل الصفوة من مثقفي الغرب عامة أنفسهم وقبل سواهم. بوش كان كعادته الممثل الأنجح لعقل مؤسسة الحكم، في المؤتمر الدوري المنعقد في فيينا خلال الأسبوع المنصرم. كان تمسكه بمذهب الحرب العالمية ضد الإرهاب والبقاء غير المحدد في العراق، إنما يسوّق لمشروع استئناف التغذية المعهودة لحضارة العنف إياها، بالإعلان الضمني عن تصميمه علي المنازلة مع إيران إلي آخر الشوط، أي إلي نسخة أولية عن حرب نووية مهما كانت أكلافها البشرية والبيئية.إذن لا بد أن تتواجه الفلسفتان مجدداً. أوروبا تناور علي الجبهتين معاً، أمريكا وإيران. تقاوم الانجرار إلي المستنقع الأكبر في الشرق الأوسط وضواحيه. كما قاومت الانجرار إلي المستنقع العراقي الأصغر نسبياً الذي ملأه الاحتلال الأمريكي بآلاف الجثث المتعفنة. وفي الوقت عينه تقاوم التجديد لزعامة خمينية أصولية، وتكون مسلحة هذه المرة نووياً، أو بما يقابله معنوياً من النفوذ السياسي العقائدي شبه المنفرد علي قارة العرب والإسلام، بكل ثرواتها المعروفة والخبيئة بعد. الأوروبيون المتمسكون بدبلوماسية المناورة والمحاورة، يعتقد بعض مفكريهم أنهم سوف ينجحون هذه المرة بقطع الطريق علي التهور الأمريكي. فلقد وليّ زمن الهيمنة الأحادية، وحاجة واشنطن إلي (الشريك) الأوروبي اليوم لا تقتصر علي ضرورة تلازم الخطي في الشأن الإيراني وحده، بل إن الغرب التقليدي كله هو الذي يواجه عالماً متغيراً حافلاً بتعددية القوي القادرة علي إنشاء كتل عظمي طافحة بإمكانيات التحدي والتقدم معاً. ولن يكون الغرب قريباً سوي واحد من كثرة العمالقة القادمين. وعند ذلك ماذا سيكون معني التفوق والهيمنة الأحادية. إنها الفلسفة القديمة حقاً المنحدرة إلي مجرد أركيولوجيا للعنف العقيم أمام تصاعد الفلسفة الأخري في التوافق والانفتاح والمشاركة الكونية في جينالوجيا ـ تكوين ـ المدنية الإنسية. ذلك هو سبيل النجاة الأخير للإنسانية المأزومة بتاريخها الدامي والأسود، ولكنه السبيل الأصعب كذلك.ہ مفكر عربي مقيم في باريس9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية