يجب أن لا نُفاجأ اذا اضطر ضباطنا الي الاحجام عن السفر الي الخارج خوفا من الاعتقال والمحاكمة
يتوجب علي قائد سلاح الجو، اللواء اليعيزر شكيدي، أن يُقدم استقالته. هناك ضرورة لأن يتحمل أحد ما المسؤولية عن سلسلة الاخفاقات العسكرية والاخلاقية التي ارتكبها سلاح الجو، وهذا الطرف يجب أن يكون أولا قائد هذا السلاح.
من أثني علي استقالة اللواء احتياط ايرز، قائد القاعدة العسكرية التي حدث فيها الاغتصاب وقال عنه أنه يُعبر عن نهج قيادي وقيمي من الدرجة الاولي، والذي ينطوي علي تحمل المسؤولية، ليس فقط لأن الأحداث جرت في قاعدته ـ هذا الشخص ملزم بتطبيق نفس المبدأ السامي علي نفسه. اذا كان الاغتصاب الجماعي لفتاة سببا في استخلاص عبر شخصية، فان الأمر نفسه ينطبق بأضعاف المرات علي القتل الجماعي الاستحواذي للمواطنين الأبرياء، ومن ضمنهم الاطفال والرُضع وامرأة حامل. هذا القتل يعتبر علي الأقل سببا للاستقالة، هذا اذا لم نقل أنه سبب للمحاكمة: المسألة تتعلق بالمسؤولية عن القتل أو التسبب بالموت بسبب الاهمال.
حتي وإن كان الشخص صاحب العلاقة قد تشوه من الناحية الاخلاقية لدرجة أنه لم يعد يري في قتل الاطفال سببا للاستقالة، فانه ملزم بالقيام بذلك بسبب الاخفاقات العسكرية الميدانية التي ارتكبها سلاحه ـ اطلاق الصواريخ علي منزل بدلا من سيارة، واطلاق الصواريخ علي شارع مزدحم بالمارة كانوا قد قرروا أنه فارغ من الناس، اطلاق الصواريخ خلال فرار المطلوبين واصابة سيارتين بدلا من سيارة واحدة، واستخلاص العبر من كل ذلك. هل يُعقل أن يقتل الجيش الاسرائيلي 23 مدنيا خلال شهر واحد (عدا عن أفراد عائلة غالية السبعة) ـ 15 منهم قُتلوا بيد سلاح الجو ـ من بينهم ثلاثة اطفال وطبيب وشقيقته الحامل، وتمر المسألة مرور الكرام؟ هل يمكن القول إن هذا الفشل الدوري يتم بلا صاحب؟ أية رسالة يطلق هذا النهج لملاحي سلاح الجو؟ هل يقولون لهم أن قتل الأبرياء ليس بالأمر الهام؟ قائد سلاح الجو تفاخر في السنة الأخيرة من أن التناسب في الاصابات بين المستهدفين للابادة وبين المدنيين هو 28 : 1، وعليه نُذكره الآن بأن هذه النسبة قد أصبحت منذ مطلع العام 5 : 1. اللواء شكيدي يدعي منذ مدة بأن سلاحه يبذل جهودا انسانية من اجل تقليل عدد المواطنين المتضررين في العمليات. اذا كان الأمر صحيحا، فان هذه الجهود قد منيت بفشل ذريع. ولكن هذه الجهود الانسانية مهما كانت، فانها ستمني بالفشل منذ البداية. من اللحظة التي تبني فيها الجيش الاسرائيلي نهج اطلاق الصواريخ الي قلب التجمعات السكانية المزدحمة نقش شعار قتل الاطفال علي الجدران. المسألة لم تعد قتلا غير متعمد عن طريق الخطأ وانما مسألة واقعة لا محالة نتيجة لهذا الاسلوب. هناك من يقولون إن المس بالمدنيين قد يكون مجديا لانه ردعي وضاغط علي الجمهور الفلسطيني. يتوجب تصديق أن سلاح الجو لا ينوي المس بالمدنيين فعلا. ولكن قضية النية ليست هامة هنا: من يطلق الصواريخ علي شارع الصناعة في غزة ويجتث عائلة بأكملها ـ عائلة أمن ـ لا يمكنه الادعاء بأنه لم يقصد المس بها، ذلك لأنه ليس من الممكن اطلاق صاروخ نحو شارع مزدحم بالمارة من دون أن تقع اصابات بينهم. لذلك لا يكمن الخطأ الميداني الحقيقي في الخطأ البشري المزعوم، وانما في الاسلوب المتبع، رغم أن هذا الاسلوب نابع من سياسة حكومية ـ يتوجب أن يدفع المسؤول المباشر عن تنفيذها الثمن المترتب علي الاخفاقات عندما تتسبب بحصد هذا العدد من أرواح المدنيين الأبرياء. فيزنت و سيغنت و يومنت ـ وسائل الاستخبارات المتطورة التي تسبق كل عملية اغتيال ـ ومعها 15 وسيلة مراقبة ووسائل اخري خاصة تابعة للشاباك والجيش، وحتي تغيير نوع السلاح المستخدم من صواريخ هالبر (نار جهنم) اضافة الي اربعة أنواع اخري من الصواريخ من نوع فولكسفاغن ـ كل هذه الوسائل لا تغير الصورة جذريا. كذلك الحال مع الكاميرات الدقيقة التي تطل علي الأهداف المعدة للتصفية ولا تُظهر إلا شوارع خالية دائما في الموقع الذي لا توجد فيه شوارع خالية تقريبا ـ لا تساعد في شيء. من يأمر الطيار باطلاق صاروخ علي شارع ويأمره بقتل المدنيين الأبرياء، يعرف المغزي الأخلاقي المترتب علي هذا النهج. وعليه، فان الطريقة الوحيدة تكمن في ايقاف عملية القتل. عندما يظهر في احدي هذه الطائرات خلل شديد يقومون في سلاح الجو بتجميد استخدام كل الطائرات من ذات الطراز. هذا ما يتوجب فعله الآن مع نهج الاغتيالات. ولكن يبدو أن الجيش ينوي مواصلة نهجه البائس. وزير الدفاع لم يوجه أوامر مغايرة. فهو ملزم بإرضاء سكان سدروت الغاضبين حتي وإن كان الجميع يعرفون أن أية وسيلة عسكرية كانت لن توقف اطلاق القسام بصورة تامة. قتل الايام الأخيرة مر في اسرائيل من دون احتجاج. سألوا مدير عام شركة الكهرباء اذا لم يكن عليه أن يستقيل بسبب المصاعد التي علقت نتيجة لقطع التيار الكهربائي. أما بالنسبة لقائد سلاح الجو فلا يفكر أحد بسؤاله حتي. ولكن علي اسرائيل اللامبالية أن تسأل نفسها الي أين المسير. اذا كان الرد الوحيد هو استمرار سياسة التصفيات من دون أن يتحمل أحد المسؤولين عن ضحاياها فلا غرابة اذن من شجبنا في العالم المستنكر. علينا أن لا نُفاجأ ايضا اذا اضطر ضباطنا بعد قليل الي الاحجام عن السفر الي الخارج خوفا من التعرض للاعتقال والمحاكمة. قائد سلاح الجو المسؤول عن القتل ولا يستخلص العبر، يستحق بالفعل النبذ والملاحقة. وماذا عن الوزير؟ وقائد هيئة الاركان؟ وقائد السرب؟ وقائد الوحدة؟ والقائد الذي أمر باطلاق النار؟ والطيار المنفذ؟ كلهم ليسوا مسؤولين عن شيء.
جدعون ليفيكاتب رئيسي في الصحيفة(هآرتس) 25/6/2006