مصر واستحالة الازدهار: نكتة انتخابات وجدلية القمع واقتصاد العسكر

حجم الخط
2

قبل أقل من شهرين على الانتخابات المصرية لا أحد يفكر بالمرشح الذي سينتخبه لغياب الإختيار، فكل الذين فكروا بترشيح أنفسهم إما سجنوا، رحلوا من منافيهم الإختيارية وأجبروا على التخلي عن فكرة الانتخابات. وهناك من لاحقته المحاكم بتهم تشويه سمعة مصر أو من اتهم بخرق قانون العسكرية. ومن لم يبق غير شخص واحد بدأت حملة تدعوه لإعادة ترشيح نفسه وتحثه قائلة «علشان تبنيها» العام الماضي وقبل إعلانه نيته النزول في الانتخابات وهو الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي وصل إلى السلطة بعد انقلاب عام 2013 الذي أطاح بالرئيس المنتخب في حينه، محمد مرسي. ولإعطاء مظهر انتخابات للعملية، قرر موسى مصطفى موسى من حزب الغد ترشيح نفسه فيما نظر لذلك محاولة لمنح العملية الانتخابية «مظهرا» ديمقراطيا وأن هناك فعلا من يتحدى الرئيس. وكان موسى حتى وقت قريب من أهم داعمي الرئيس وقاد في عهد حسني مبارك مجموعة من البلطجية في 2008 لتدمير مقر حزب معارض. ومن فصول المهزلة الانتخابية المصرية أن الأحزاب لم تتفق ولا على حتى مرشح واحد لترشيحه. فعندما أعلن السيد البدوي، رئيس حزب الوفد عن نيته الترشح، سارع حزبه في اليوم التالي للإعلان انه مؤيد للرئيس. وهناك 104 أحزاب مسجلة في مصر اليوم ظهر معظمها في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير 2011. ويرى عبد المنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية أن السبب الذي أدى لفشل الأحزاب اختيار مرشحين للحملات الانتخابية هو غياب التمويل. وقال لموقع «المونيتور» (7/2/2018) إن معظم هذه الأحزاب ممولة من رجال أعمال وتعكس مصالح طبقة معينة وعادة ما تتنافس فيما بينها ضد جماعتين كبيرتين هما الجيش والإخوان المسلمين وقد ذهبت الجماعة الأخيرة نتيجة القمع وأصبحت محظورة، وبقي الجيش الذي عادة ما ينظر بشك إلى التعددية الحزبية. وما لم يقله المعلق المصري هو أن أجواء القمع والملاحقة الأمنية لأي مرشح وبرلمان دعا نوابه أو غالبيتهم السيسي لترشيح نفسه مرة ثانية كان العامل وراء تردد أي شخص بالمشاركة في السباق الرئاسي. ويرى مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (1/2/2018) أن جل العملية الانتخابية المقبلة هي محاولة في ديمقراطية الرجل القوي التي باتت الأنظمة الديكتاتورية تمارسها للحصول على الشرعية الدولية وإرضاء الولايات المتحدة التي يحب رئيسها دونالد ترامب التعامل مع الحكام «الأقوياء». وعليه فلن يخاف السيسي من الرقابة الأجنبية أو أمريكا، فقد وصفه ترامب بالرجل «الرائع»، أما دول الاتحاد الأوروبي فهي منشغلة بمشاكلها وغير راغبة بلعب دور بناء وتكتفي بالمراقبة فقط، كما تفعل من سبع سنوات في الحرب الأهلية السورية. ويرى وولش أن صمت أوروبا على القتل وتكميم الأفواه ومحاكمة زعماء المعارضة وقمع المتظاهرين حول العالم مرتبط بظهور الحركات اليمينية الشعبوبية وأزمة المهاجرين والفروقات الاقتصادية. ويعرف قادة مثل مصر أنهم لن يواجهوا إلا إنتقادات قليلة من واشنطن التي تخلت عن دعمها للديمقراطية وحقوق الإنسان مقابل شعار «أمريكا أولا».

قتل الهامش

ولهذا وجد النظام المصري حرية في تشكيل الانتخابات وخلق أجواء من الخوف والملاحقة. كما حدث مع هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقا والذي اعتدي عليه في الشارع نظرا لدعمه حملة رئيس هيئة الأركان السابق سامي عنان. وحذر جنينة في تصريحات لصحيفة «ديلي تلغراف» (8/2/2018) من أن السيسي «أغلق كل وسائل التغيير السياسي» ولم يستبعد لجوء البعض لمقاومة العنف. وقال إن النظام السياسي أصبح أكثر قمعا مما كان عليه الحال في عهد حسني مبارك. وهذا صحيح، فمنظمات حقوق الإنسان وغير الحكومية والمجتمع المدني عانت خلال الأعوام الماضية من العنف والاعتقال. بل وكان في عهد الأنظمة السابقة هامش من الحرية يمكن للمعارضة والأحزاب ممارسة النقد ضد النظام وقد اختفى هذا كله. فالإعلام الرسمي والخاص بيد النظام والقوى الأمنية تلاحق أي شخصية تعتبر تهديدا على الرئيس ومن حوله. ووصف «مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط» التحضيرات للانتخابات بأنها «أكثر الأجواء السياسية قمعا في تاريخ مصر الحديث». وكان رد الخارجية الأمريكية فاترا على ما حدث من اعتداء على جنينة واكتفت المتحدثة باسمها
بالتعبير عن «القلق» وأن «المسؤولين يراقبون الوضع عن قرب». ولم تتخذ إدارة ترامب إجراءات بشأن الوضع في مصر، صحيح أنها قامت بتجميد 290 مليون دولار بسبب تعاون النظام السري مع كوريا الجنوبية وقانون في مجلس الشعب المصري يحدد عمل المنظمات غير الحكومية، إلا أن أي نقد للنظام غطى عليه مديح ترامب للسيسي. ويبدو موقف ترامب واضحا من عدم تعيين مساعد لوزير الخارجية في مجال حقوق الإنسان وموقف تيلرسون العام الماضي من تقرير حقوق الإنسان وتجاهله للإعلان عنه بنفسه. والصمت بشأن ممارسات النظام في مصر ليس مقتصرا على ترامب بل واضح من مواقف بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وعلق ديكلان وولش أن أبرز زائر للقاهرة في الفترة الماضية كان مدير المخابرات الفرنسية الذي ثمن جهود السيسي جلب السلام للمنطقة.

حالة لا مبالاة

وإذا كان العالم الخارجي غير مهتم إلا بقدر بما يجري في مصر فالمواطن العادي منشغل بالخبز والوقود والأسعار بدلا من الحديث عن نكتة الانتخابات. ففي عام 2016 عندما قررت الحكومة تعويم الجنيه المصري بشكل خفض قيمته للنصف أصبح شراء المواد المستوردة مستحيلا للمواطن العادي. وحسب نادل يعمل في مقهى، شمال القاهرة: «قبل ثلاثة أعوام كان بإمكانك شراء كل الأجهزة الكهربائية التي تريد بـ 50.000 جنيه استرليني أما اليوم فتحتاج إلى 150.000». وتعلق مجلة «إيكونوميست» (10/2/2018) أن المصريين الذين تحدثت معهم يخشون الكشف عن هويتهم منذ مذبحة رابعة عام 2013 إلا أن الناخبين يتذمرون. وقال أحدهم إنه قرر التوقف عن قيادة «توك توك» لأن أسعار الوقود ارتفعت «قرفت من المساومة على الأجرة». ويعمل الآن في مخبز يبيع الخبز المدعم مضيفا «لا يستطيع السكان العيش بدون الخبز المدعم». وتقول إن هذا هو اعتقاد شائع بين الناس بدرجة جعلت من الصعب إصلاح الاقتصاد. فمنذ العشرينات من القرن الماضي تعود الناس على دعم الحكومة للمواد الأساسية. وتضيف إن الوقود والخبز والمياه تلخص المشكلة. ذلك أن سياسات دعم الوقود تؤدي إلى زيادة السيارات والإزدحام في الشوارع. وقدر البنك الدولي كلفة الأزدحام في شوارع القاهرة بـ 3.6٪ من خزينة الدولة المصرية. ولأن الفقراء لا يشترون السيارات فنسبة 20 في المئة من الحضريين يحصلون على ثمانية أضعاف ما يحصل عليه الفقراء. وكذا الخبز حيث يؤدي الدعم إلى تبذير في العجين لأن المصريين يشترون خمسة أرغفة بعشر الكلفة. وتدعم الحكومة السكر وزيت الطبخ والمواد الكربوهيدراتية الأخرى وهذا سبب من أسباب زيادة السمنة بينهم. ورغم العمل بنظام البطاقة إلا أن المواد المدعمة عادة ما تسرق. وكان معهد كاتو في واشنطن اقترح في دراسة عام 2013 تبني نظام أسهل وهو رفع الدعم عن كل المواد الغذائية والطاقة وتحويل نصف المال الذي سيتم توفيره إلى 60 في المئة من أرباب البيوت الفقراء حيث يمكن لكل بيت الحصول على 622 دولارا في العام. لكن السيسي لن يقوم بعمل أي شيء قبل الانتخابات وتعتمد إصلاحاته وعلاقته مع صندوق النقد الدولي على حجم المال الذي يريده منه.
ويظل موضوع المياه الأكثر حساسية، فمع زيادة عدد سكان مصر المتوقع من 99 إلى 120 مليون نسمة بحلول عام 2030 فالطلب على المياه يزيد. ولأن مصر تعطي المياه مجانا للمواطنين فلا يشعر هؤلاء بالحاجة لتوفيرها. وتطلب الحكومة من المزارعين دفع ثمن ضخم للمياه أما سكان المدن فيطلب منهم دفع مبلغ قليل إلا أن الفواتير لا تحصل في العادة. ثم هناك مشكلة سد النهضة الذي تقوم إثيوبيا ببنائه وقد يؤثر على دول المصب خاصة مصر. ورغم تأكيد السيسي في 29 كانون الثاني (يناير) بعد لقائه قادة إثيوبيا والسودان عدم وجود أزمة إلا أن مراقبين يتوقعون التصعيد. ويقول أتش إي هيللير، من المعهد الملكي للدراسات المتحدة إن «الإحتمال الحقيقي هو قيام مصر بالتصعيد الخطير حول السد» ومن ذلك الحل العسكري. ولا يمكن للسيسي أن يظهر بمظهر الرجل الضعيف خاصة بعد الكشف الذي تحدثت فيه صحيفة «نيويورك تايمز» (3/2/2018) عن اعتماد القوات المصرية على الطيران الإسرائيلي لضرب مواقع الجهاديين في سيناء. وترى مجلة «إيكونوميست» أن إصلاحا اقتصاديا مؤلما متاح لو كان للحكومة شرعية انتخابات حرة. وبالتأكيد لن يحدث هذا العام. ورغم ما تراه المجلة تحركا إيجابيا من السيسي لتعويم العملة، إلا أن مصر ستكافح لكي تزدهر طالما ظل يحكمها العسكر الذين يتوقعون من الأسواق اتباع أوامرهم. وحول العسكر السلطة للتأجير، فالجيش مثلا يبني طرقا جديدة وكثيرة وعادة بدون طرحها للعطاء العام. وفي 21 منها حصلت المؤسسة العسكرية على الأرض الموازية لها على الجانبين. ومن هنا فأي شخص يريد فتح محل على قارعة الطريق عليه الحصول على إذن من العسكر في زي الخاكي.

مصر واستحالة الازدهار: نكتة انتخابات وجدلية القمع واقتصاد العسكر

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية