انتخابات الرئاسة المصرية ما بين رعب النظام وترويع المواطن

حجم الخط
0

قبض عشوائي، اختفاء قسري، حبس من دون محاكمات، ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية، بطالة لا يجد أصحابها سوى الجلوس أمام شاشات البيوت والمقاهي، ليطالعهم صوت متوعد يرتجف بأن ما حدث منذ سبع سنوات لن يتكرر مرّة أخرى، فأصبح الجميع يعيش في ما يُشبه الثكنة العسكرية أو السجن الكبير، وفي ظل قانون طوارئ امتد حتى نهاية الانتخابات الرئاسية، التي سوف تنعقد الشهر المقبل. هكذا الحال في مصر الآن، نظام مرتعب لا يثق في أمكانية البقاء، لم يجد سوى ترويع المواطنين بشتى الطرق، حتى تكتمل المسرحية أمام الشاشات أيضاً، محاولاً اكتساب شرعية هزلية أمام مجتمع دولي أكثر منه هزلاً وتغاضياً عما يحدث وسيحدث، وفقاً لاتفاقات ومصالح يثق الغرب في عدم تحققها أو الوصول إليها إلا في ظل النظام الحالي.

التخلص من الأشرار

بدأ النظام معاركه مبكراً ضد كل من تسول له نفسه مواجهته أوحتى انتواء هذه المواجهة، بداية من اختطاف الفريق «أحمد شفيق»، وسجن العقيد «أحمد قنصوه»، وحبس الفريق «سامي عنان» رئيس الأركان الأسبق. هؤلاء هم الأشرار في عُرف النظام وصاحبه، «المخلّص» الذي لا يعترف بجدوى ووجود ما يُسمى بانتخابات رئاسية، ليصبح الأمر شكلاً كاريكاتيرياً لعملية الانتخاب، لكنه يريدها بالفعل أشبه بالمبايعة، وقد طلب مؤخراً تفويضاً جديداً لمواجهة ما أسماه بقوى الشر، هذه القوى الشريرة التي من وجهة نظره لا تريد أن تمتثل لأوامره التي تستوجب السمع والطاعة.
هذه الحالة هي ما يعيشها الرئيس المصري، ولا يريد أن يعترف بينه وبين نفسه أنه مجرّد رئيس لدولة، بل مفكر ومستشرف آفاق مستقبلها، ومخلّصها المنتظَر، فلا مجال لانتخابات سوى أمام الشاشات فقط، لإرضاء الغرب الغبي، الذي لا يعرف طبيعة الشعب المصري، والأهم طبيعة مَن يحكمه الآن. وبما أن المواطن العادي، الذي لا هم له سوى تأمين المأكل والمسكن، يرى ما حدث في هؤلاء، ولا يستمع إلا لصوت الإعلام الرسمي ــ الإعلام المصري أصبح كله رسمياً الآن ــ ماذا سيفعل هذا المواطن وهو يرى ما يحدث لهؤلاء، وما بين ما يعيشه بالفعل من أحوال اقتصادية لم تصل إليها مصر من قبل، وما بين ما يحياه أمام الشاشات، فحالة الفصام تضربه تماماً، لذا تجد الأغلبية تهلل لما يقوله الرجل، وقد يغضب البعض ويسب ويلعن، لكنه يتراجع في النهاية، خوفاً وأملاً في استقرار مرجو على الدوام. لكن المخلّص مهما فعل الآخرون، لن يرضى بديلاً عن طاعة عمياء، وقد استأنس الكثير من الأصوات التي كانت صاحبة صخب كبير أيام مبارك المخلوع، وصخب أكبر وأكبر أيام محمد مرسي، أما الآن فلا تسمع لهم، وقد آمنوا بقدرات الرجل على البطش غير المحدود.

معايير النجم الأعظم

وبما أن المجتمع المصري لابد وأن يحافظ على القيم، وأن يؤكدها في كل لحظة من خلال منظومة السمع والطاعة، واحترام الكبير ــ أعتبره أباك يا أخي ــ فكان لابد من إصدار بيان إرشادي ــ بخلاف البيانات الصادرة ليل نهار لموظفي الإعلام ــ بيان هذه المرّة لكُتّاب الدراما المصرية، بحيث يصبح كل ما يراه ويسمعه المواطن المصري يسير وفق نموذج مُعد سلفاً. وهو ما فعلته لجنة الدراما المنبثقة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وقد أعلنت إصدار قائمة بالموضوعات ذات الأهمية التي ينبغي على المبدعين تناولها في أعمالهم. ذلك مراعاة للحظة الفاصلة والحاسمة التي تمر بها الدولة. هذه اللجنة سيئة السمعة ترأسها المخرج محمد فاضل، وشارك فيها كل من فاروق صبري رئيس غرفة صناعة السينما، هدى زكريا عضو المجلس الأعلى للإعلام، أشرف زكي نقيب الممثلين، خالد عبد الجليل رئيس الرقابة على المصنفات الفنية، المخرج أحمد صقر رئيس قطاع الإنتاج، وكل من المنتجين محمد فوزي، صادق الصباح، محسن علم الدين، محمد خفاجي، عصام شعبان، وممدوح شاهين. وكان الاستغرب من وود محمد فاضل ورئاسته لمثل هذا التجمع المريب، أما الباقي فهم خدم للنظام، ومسيرتهم تشهد بذلك. بالطبع لم يرض البعض بل انتفض وهاج وأصدر بيانات شاجبة مُستنكرة، مثل «جبهة الإبداع» و«جمعية نقاد السينما المصريين»، بيانات على الفسبوك، دون أن يجرؤ أحد على التظاهر أو عمل وقفة احتجاجية بالشارع، كما كان يحدث من قبل، فهم أيضاً مواطنون وخائفون، وأغلبهم من المؤيدين للحكم الرشيد، رغم افتعال النضال الفيسبوكي.

قلب نظام الحكم

هي التهمة المُعتمَدة لدى كل الأنظمة القمعية، التي يمكن توجيهها إلى المعارضين. بداية لأن النظام ضعيف جداً وهو يعرف ذلك جيداً، رغم الاستناد والاستعانة بوسائل أجهزة القمع، من المخابرات وأمن الدولة ــ وفي التسريبات الأخيرة للفنانين وموظفي الإعلام الخبر اليقين ــ لذا فقائمة التهم ستتواتر في ظل أية محاولة لمواجهة صاحب الحكمة المفرطة والفائض بنور بصيرته على رعاياه. ولعل ما حدث لأعضاء «الحركة المدنية الديمقراطية» خير دليل وتحذير في الوقت نفسه لكل من يتوهم بأن يعلو صوته للمعارضة، فقد تم الإبلاغ عن كل من شارك في هذه الحركة، بعد إذاعة بيانها بضرورة مقاطعة مسرحية الانتخابات، فجاءت الاتهامات من قبيل التحريض ضد الدولة والإساءة لمؤسساتها في الداخل والخارج، بث روح التشكيك والإحباط والفتنة بين الشعب وبعضه ومؤسسات الدولة، شن حملة تشويه متعمدة للإضرار بالأمن والاقتصاد القومي المصري. وفي الأخير أصبحت محاولة الانفلات مما يحدث من هزل عبارة عن محاولة لقلب نظام الحكم في البلاد وإسقاط الدولة المصرية. وسيق على إثر ذلك إلى تحقيقات النيابة العديد من الأسماء التي ربما نتفق أو نختلف معها، لكن المعيار هنا هو موقفها تجاه ما يحدث، ومنهم حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق، عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق، محمد أنور السادات رئيس حزب الإصلاح والتنمية، خالد داوود رئيس حزب الدستور، العالم المصري عصام حجي، حازم حسني المتحدث السابق باسم حملة الفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، المستشار هشام جنينة العضو السابق بفريق عنان الرئاسي، هيثم محمدين القيادي في حركة الاشتراكيين الثوريين، يحيى حسين عبد الهادي منسق الحركة المدنية الديمقراطية، محمد سامي رئيس حزب تيار الكرامة، فريد زهران رئيس حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، مدحت الزاهد رئيس حزب التحالف الشعبي، أحمد البرعي وزير القوى العاملة السابق، عمرو حلمي وزير الصحة السابق، جورج إسحاق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، والمخرج داود عبد السيد. كل هؤلاء يواجهون تهمة قلب النظام، بما لديهم من أصوات تدعمهم أو تقف معهم، سواء من خلال بيانات شاجبة ومُستنكرة وما شابه، فماذا سيكون موقف المواطن العادي تجاه ما حدث وما سيحدث؟ مواطن فقد الصوت والحيلة، ولو إلى حين.

انتخابات الرئاسة المصرية ما بين رعب النظام وترويع المواطن

إيمان عثمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية