المغرب: هل تكون وحدة أحزاب اليسار جوابا على وضعية التشتت التي تعيشها؟

حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: للمرة الثانية استطاعت أن تحظى برتبة قائدة الحزب، وتكون استثناء في خريطة الأحزاب المغربية التي اعتادت أن يؤسسها ويقودها رجال من يمينها إلى يسارها. إنها نبيلة منيب، أستاذة جامعية للبيولوجيا في الدارالبيضاء، سياسية مثيرة للجدل بمواقفها الشديدة الانتقاد لسياسة الدولة، في عقدها السادس أعطت إشعاعا لحزب يعتبر صغيرا بمنطق عدد المقاعد في البرلمان وعدد المنضوين تحته، لكنه خطف الأنظار مؤخرا في المشهد السياسي المغربي. انتخبها مؤخرا المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، أمينة عامة لهذا الحزب. وهو المجلس الأول بعد المؤتمر الوطني الرابع الذي عقده الحزب في كانون الثاني/يناير الماضي تحت شعار «دعم النضالات الشعبية من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية».
وقالت رقية المصدق أستاذة القانون الدستوري وعلم السياسة، ان فوز منيب بالولاية الثانية «مسألة مهمة، ليس محاباة لها لأنها امرأة بل لأن كفاءتها هي التي أدت للتجديد لها». وأضافت لـ«القدس العربي» لا يجب التركيز في فوزها على كونها امرأة «المرأة يجب أن تكون لها القدرة على خوض المنافسة مع العنصر الذكوري، وفي حالة منيب هناك كفاءة وتمرس ومجموعة من المواصفات التي تؤهلها أن تكون قيادية». وعلى عكس التيار الذي ينذر بنهاية اليسار ترى المصدق أن «اليسار لا يمكن أن نقول إنه انتهى، هناك جذوة أمل وحركية يمثلها هذا الحزب وباقي أحزاب فيدرالية اليسار».
نهاية اليسار في المغرب، أطروحة يروّج لها كثيرون بسبب مآل بعض الأحزاب الكبرى منها، إلى أجل غير بعيد، وخاصة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأيضا بسبب سيادة موقف أن عائلة اليسار، التي على يمين الحزب الاشتراكي الموحد، تخلت عن أهدافها وانفصلت عن قاعدتها الاجتماعية التي كانت خزانا انتخابيا لها، فيما انكفأت التي على يساره على نفسها فلم تحتويها السلطة ولم تحتو هي الشعب، هذا فيما يقف الاشتراكي الموحد في منطقة وسطى بين القطبين المتنافرين. في المقابل يطرح آخرون أن اليسار ما زال ينبض بالحياة وإن غاب كقوة منظمة فشعاراته وبعض المنتمين إليه حاضرون بقوة في قلب الاحتجاجات التي يعرفها المغرب. وإن كانت منيب، أحد أبرز الوجوه اليسارية في المشهد السياسي الحالي في المغرب، أعطت نسبيا إشعاعا للحزب الاشتراكي الموحد ولفكر اليسار عموما من خلال خطاباتها والتجمعات التي أقامتها خلال الحملة الانتخابية في الفترة التي قادت فيها الحزب في الولاية الأولى، وفرضت نفسها في الساحة الإعلامية بين منتقد لمواقفها وبين من يرى أنها امرأة ذات جرأة و«كاريزما»، واحتلت جزءا غير يسير من حديث الصحافة، وحضيت بدعم من جزء من المثقفين ومن النخبة اليسارية والعلمانية المغربية ومن قبل جزء من الأكاديميين، فنشرت وسائل الإعلام لائحة مئة مثقف بارز في المغرب يدعمونها وبرنامج حزبها السياسي في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في تشرين الأول/اكتوبر 2016. فإن الحصاد الانتخابي الهزيل للحزب عموما وعدم فوز منيب بمقعد في البرلمان بشكل خاص، أظهر مفارقة بين الحضور في الإعلام والغياب في الصناديق، وجعل المتعاطفين مع الحزب ومن علقوا عليه أملا في فوز أفضل ومن يتابعون شأنه يتسائلون حول ما إن كان الحزب نجح في استقطاب المثقفين وفشل في استقطاب الجماهير، أو ما إن كانت المفارقة تعبير عن مشكلة تواصلية ناجمة عن لغة الخطاب التي تجد صدى لها في صفوف شريحة المثقفين أكثر، أو ربما أن المجتمع المغربي ما زال غير مؤهل لتقبل خطاب سياسي من درجة ما يقدمه له الحزب الاشتراكي. أسئلة كثيرة عرضت منيب لانتقادات وصلت حد مطالبة البعض باستقالتها من على رأس الحزب، غداة نتائج الانتخابات، فكان أن فازت بولاية ثانية على رأسه.
وكان الحزب الاشتراكي الموحد دخل الانتخابات التشريعية الأخيرة ضمن تحالف يساري «فيدرالية اليسار الديمقراطي» ويضم إضافة للاشتراكي الموحد حزبين يساريين آخرين هما حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، ومن بين الأسئلة الصعبة التي واجهها المؤتمر الأخير والذي عرف تشنجات في أشغاله، هو مسألة اندماج الأحزاب الثلاثة في حزب واحد، فهذا النقاش أصبح حاضرا بقوة في صفوف أحزاب فيدرالية اليسار بعد النتائج التي وصفها البعض أنها مخيبة للآمال، التي حازتها الفيدرالية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث لم تحصل سوى على مقعدين في كل من مدينتي الرباط والدارالبيضاء من أصل 395 مقعدا في مجلس النواب.
وحدة الأحزاب الثلاثة يرى فيها بعض المنتمين للفيدرالية جوابا كذلك على وضعية التشتت التي يعيشها اليسار المغربي المعارض وقد تمكنه من خوض الانتخابات التشريعية المقبلة (2021) بشكل أقوى. وهي أحد الأمور التي حضرت بقوة في نقاشات المؤتمر الأخير، فالحزب الاشتراكي الموحد المعروف بكثرة تياراته ليس منسجما حول هذا الطرح.
العلاقة مع الأحزاب والتنظيمات الإسلامية أمر آخر ألقى بظله على المؤتمر وهو من الأمور الحساسة في صفوف الاشتراكي الموحد والتي أصابت بيته بتصدعات بين الفينة والأخرى، فالحزب منقسم على نفسه بين من يرفضون رفضا باتا أي وجه للتنسيق مع الإسلاميين، ومن يدافعون على ضرورة فتح الحوار مع الإسلاميين والتنسيق معهم في أمور مشتركة. حجة الرافضين أنهم يرفضون «الأصولية المخزنية» كما يرفضون «الأصولية الإسلامية» رافعين يافطة موقف الإسلاميين من الديمقراطية ومن الحريات الفردية والمساواة بين المرأة والرجل وعلاقة الدين بالسياسة، في حين يقيم المدافعون رأيهم على حجة أن التناقض أساسا هو بين «قوى الاستبداد» وبين «المعارضين» بغض النظر عن إيديولوجياتهم ما دامت بوصلتهم موجهة ضد «الفساد» و«الاستبداد».
وكان قرار مثير جلب الكثير من الانتقاد على نبيلة منيب، حين قامت رئاسة الفيدرالية بتعميم قرار على فروعها يمنع أي تنسيق بين مناضيليها والإسلاميين، وهو قرار جاء بعد مسيرة حاشدة من أجل إطلاق سراح معتقلي الريف غابت عنها منيب وبعض الوجوه البارزة في حزبها بمبرر وجود العدل والإحسان، حسب ما راج في صفوف العديد من المتابعين. هذه الخطوة جرت على منيب حملة انتقادات وصفت موقفها بأنه غير منسجم على اعتبار أنها كانت فاعلة في مبادرات للحوار بين الإسلاميين واليساريين أشرفت على تنظيمها منظمة قرطبة السويسرية.
حزب الاشتراكي الموحد الذي يوجد بين منزلتين ضمن أحزاب اليسار في المغرب عامة، الأحزاب التي تشارك في الحكومة والأحزاب التي ترفض الدخول في لعبة الانتخابات من أصلها، اختار منزلة التغيير من داخل المؤسسات وممارسة المعارضة من قلب اللعبة السياسية. هذه الوضعية تجعل من مسألة التحالف إحدى أهم معضلاته. فهو حزب معارض شارك في حراك عشرين شباط/فبراير 2011، يطالب بملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، وقاطع الاستفتاء حول دستور 2011 (الذي يعد جواب السلطة على النسخة المغربية من الربيع العربي) وقاطع الانتخابات التشريعية التي تلت الدستور والتي صعدت بالإسلاميين «حزب العدالة والتنمية» لأول مرة للحكومة برئاسة عبد الإله بن كيران، وشارك في التي تلتها وكان من النتيجة ما كان.
الخريطة السياسية المعقدة التي يزيد من تعقدها الوضع التنظيمي للحزب الذي يسمح بوجود تيارات داخله، حيث تبارت ثلاث أرضيات خلال المؤتمر، تجعل القيادة الجديدة التي حملت وجوها شابة جديدة كعمر بلافريج النائب البرلماني وغابت عنها بشكل ملفت أسماء بارزة كمحمد مجاهد الأمين العام السابق ومصطفى الشناوي النائب البرلماني ومحمد الساسي، أمام تحدي ما إن كانت ستنجح في لم شتات أحزاب اليسار الموجودة على طرفي نقيض في الموقف والموقع داخل المشهد السياسي الحالي وما إن كانت سترأب الصدع مع الإسلاميين سواء من يقودون الحكومة أو من يمارسون المعارضة خارج النسق المؤسساتي، وإجمالا أمام تحدي ما إن كانت أرضية «الأفق الجديدة» التي عبدت الطريق لمنيب نحو القيادة ستعبده كذلك نحو أفق جديد.

المغرب: هل تكون وحدة أحزاب اليسار جوابا على وضعية التشتت التي تعيشها؟

سعيدة الكامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية