الحرب الإقليمية الباردة: الكل الرابح ضد الجميع الخاسر

حجم الخط
1

من أجل تأثيث نقطة الفراغ الزمني، في انتظار نتائج مبادرة روسيا القاضية بتخليص النظام السوري من سلاحه الكيميائي، مقابل إلغاء الضربة العسكرية على سورية، تشرع الولايات المتحدة الأمريكية في هجمة ‘شطرنجية’ إقليمية على الشرق الأوسط. يحاول الرئيس الأمريكي باراك أوباما الآن إدارة القضية السورية بطريقة مزدوجة، ذات وجهين: وجه في العلن وآخر في الخفاء.
أما الوجه العلني فهو ذاك الذي يشمل المفاوضات الأمريكية – الروسية، والتلويحات المهددة بضرب سورية في حال تخاذلها عن التضحية بسلاحها الكيميائي، ومحاولات ترويض إيران من أجل إخراجها من المعادلة السورية، مقابل غض النظر عن نشاطها النووي. لو أردنا تبسيط التكتيك الأمريكي في التعامل مع الأزمة في سورية، فاِنه لا يتجاوز هذا التوصيف الذي يشاهده الجميع في وسائل الإعلام، سواء العربية منها أو الغربية.
أما في الخفاء، فاِن اليد الأمريكية بصدد التجهيز لإعادة برمجة إستراتيجية في المنطقة من أجل محاولة توسيع رقعة الصراع غير المباشر. يحاول أوباما بطريقة غير مباشرة ضرب الكل بالكل في هذا الإقليم، حيث لم يبق طرف واحد على ما كان عليه من حياد. أولا، يستميت وزير الخارجية الأردني ناصر جودة في محاولته حجز مقعد على طاولة مفاوضات ‘جنيف 2’ بحجة أن الأردن يؤوي أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين على أرضه. أما حقيقة هذه الاِستماتة فهي أن الشأن الأردني في تبعية شبه كاملة للأحداث في سورية، من ناحية الحدود المشتركة ونشاط الجماعات الجهادية في البلدين، أي من ناحية الأمن القومي الأردني، أو حتى من ناحية الأمن المائي المشترك. تعاني عمان قلقا شديدا من تردد موسكو في الدخول في عملية السلام للقضية الفلسطينية، حسب الخارطة التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، والقاضية بوساطة الأردن في هذه العملية، على شرط مشاركته في شبه عملية السلام الأولى، وهي مفاوضات جنيف. من هنا، يمكن تفسير سياسة كسب رضا الجميع التي مارسها العاهل الأردني تجاه الشأن السوري، إذ أنه طمأن في اتصال هاتفي وزير الخارجية السورية وليد المعلم، أن الأردن لن يكون منصة إطلاق لصواريخ الضربة العسكرية الأمريكية على سورية، كما لم يحاول أيضا تعطيل تدفق المجاهدين من الأردن إلى سورية للقتال ضد النظام، في تبعية واضحة للأمريكان. أما بالنسبة للحوار المرتقب بين أوباما وحسن روحاني فاِنه في كلتا الحالتين، أي في حال نجاحه أو فشله، سيكون في مصلحة عمان التي تحاول كسب نفوذ إقليمي يمكنها من مراعاة مصلحتها السياسية والاِقتصادية، سواء في سورية أو في فلسطين، ولعب دور همزة الوصل بين السلام الفلسطيني المعلق بنجاح السلام السوري. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تتوتر العلاقة بين حركة حماس ذات الايديولوجيا الإسلامية ومصر بعد سقوط مرسي، ذلك أن قيادات الجيش المصري اتهمت حماس بمحاولة توتير الأوضاع أمنيا في مصر، وهددت بالتعامل العسكري معها على الحدود المصرية الفلسطينية، الذي بدأ عبر إغلاق معبر رفح وتدمير عدد من الأنفاق الواصلة بين سيناء وقطاع غزة. هذه الإستراتيجية المصرية في التعامل مع الحدود الفلسطينية سيكون لها تأثير فعلي على الواقع الأمني والاستراتيجي في المنطقة، حيث ستبقى مفاوضات السلام الفلسطينية التي ستجمع بين جميع الفرقاء والحلفاء على طاولة واحدة، أي أمريكا، الأردن، موسكو، تركيا وإيران، رهينة السلام بين مصر وحماس المهدد. من هنا قد تنجح أمريكا في القريب العاجل في خلق صراعات سياسية جديدة قد تتحول إلى عسكرية بين أطراف جدد في المنطقة، وقد تنجح أيضا في خلق نقاط تقاطع سهلة بين هذه الصراعات من جهة وبين الملف السوري من جهة أخرى، وتحويل الحرب إذاك إلى حرب إقليمية كاملة.
سيكون للأيام القليلة القادمة شأن عظيم، إما في الدفع نحو سلام خماسي الأبعاد بين الأردن، سورية، تركيا، وفلسطين ومصر، وإما في الدفع نحو حرب إقليمية شاملة بمشاركة العراق الجريح.

‘ كاتب وصحافي تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية