كان مُستغرقا في قراءة عموده الأدبي المُفضّل عندما جاءه الصّوت الجَهْوَرِيّ الخشن والعريض؛ مُستفسِراً عن خُلوّ المقعد جانبه من أي راكب. إيجابا أوْمَأ برأسه بدون أن يلتفت إليه، لكن سرعان ما داهَمَهُ شعور فادح بالصَّغار والانكماش بمجرّد جلوس المسافر.
صحيح ألا صِلة تربطهما ولا يعرفان بعضهما قطعا، بيد أنه يذوب خجلا كقطعة زبدة كلّما رَمَتْهُ المصادفات برجل قويّ البنية، طافِح الذكورة. طوى الجريدة كمن يحقّق عبث الاستمرار في القراءة ثم أزاح ستارة المنفذ بعض الشيء لمُعاينة الموقع، فاجأته «العين الزرقاء» المتلألئة بين أشجار النخيل، الوديعة وسط مناخ جاف لا يلين… تذكّر زوجته بهيّة وتعرّفه إليها في هذا الموقع السياحي البسيط… كانت تجرّب بعض المشغولات اليدوية حينما تناظرا صدفة في قلب الخيمة فَأرْداهُ سَهْمُها الأزرق صريعا… تعمّقت صداقتهما أكثر… طلب يدها وبمباركة العائلة تزوجا… أحبّت فيه الطيبة والتواضع وأحبّ فيها الهدوء والرّقة وطبعا عينيها الزرقاوتين.
ألقى نظرة أخيرة على الواحة ثم أرخى السّتارة وأسئلة عديدة تضطرب في سِــــرّه: هل تنطفئ «العين الزرقاء» يوما ما كما انطفأت عينا بهيّة تلك الليلة؟ من سرق بريق عينيها؟ أتنتهي به الشكوك إلى الجزم بوجود «آخر» في حياتها؟ «آخــــر» يشبه الرجل الجالس بجانبه؛ القوي البنية، الفارع القامة، الضخم اليدين. تأمّل هو أصابع يديه لبرهة… نحيفتان… رطبتان… صغيرتان… يعلوهما شعر خفيف يكاد لا يُرى… لربما أشعلتها أصابع غليظة ماكرة، وألهبتها قبلات غاشّة جائعة، فسقطت على غابة صدره لتُكمِل انصهارها في بوتقة اللذة!
أرعبه المشهد الأخير، فتعمّد فتح الجريدة من جديد واستدعاء تركيزه لمواصلة القراءة… لفتت حركته السريعة انتباه الراكب بقربه، فحانت من هذا الأخير التفاتة ما فتئت أن تحوّلت إلى اهتمام فاسترقاق للنظر… أدهشه تطابق صورة عارضة الأزياء بفستان العرس مع صورة زوجته بأنفها الدقيق وفمها الصغير وعينيــــها الواسعتين الزرقاوتين… بيد أن بياض الفستان حفّز ذاكرته على استحضار تلك اللــــيلة المشؤومة… كان الأهل في الخارج ينتظرون على وقع الدفوف دليل العفة والشـــرف، وكان هو في الداخـــــل مع حبيبته الخائفة في امتحان مضغوط للفحولة والرجولة… كاد يُغشى عليه آنئذ لمّا فار الدم وجرى على السرير متدفقا… على وجـــه السرعة نُقلـــــت إلى المستشفى وتمّ إنقاذها من موت مُحقّـــق… لن ينسى تعليق الطبيبة الغاضبة تلك اللـــــيلة بعد أن عالجت النزيف الحـــاد ونعتها للفـــاعل بالحــيوان، من ساعتها وحبيـــبته تتحاشاه، من ساعتها وهو يراجع طبيبا بحثا عن التوافق… من ساعتها وحتى هذا اليوم وهذه اللحظة التي يستقل فيها الحافلة وهو يذوب خجلا كقطعة زبدة كلما رمته المصادفات برجل رقيق الجانب، متعلّم، رزين، واضح الثقافة!
قاص مغربي
حسن شوتام