الأنا القومية

حجم الخط
0

بعد عشرات السنين من التفوق الحصري لسلاح الجو الإسرائيلي في سماء الشمال، وقع في نهاية الأسبوع أمر ما. لا بد أنهم في سلاح الجو سيتحدثون كثيرا عن إسقاط الـ إف 16 وستُستخلص الدروس، لكن النموذج الفكري العملياتي واجب التغيير، ولا سيما في القيادة السياسية.
تنشغل وسائل الإعلام في اليوم الأخير بالحقائق وأساسا بالتحليلات. الفرضية المركزية هي أن قواعد اللعب تغيرت. فالضربة التي وقعت على الأنا القومية مع إسقاط الطائرة الإسرائيلية (لأول مرة منذ 36 سنة) شرّعت ظاهرا النموذج الفكري للأمن الإسرائيلي من أنه في سماء لبنان وسوريا يمكن لسلاح الجو أن يطير كما يشاء.
لقد عززت أحداث السبت لدى القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية ما كان واضحا منذ زمن بعيد من أن إيران لم تدخل إلى سوريا فقط لتساعد النظام من مغبة الثوار بل لكي تبقى. ثمة هنا قدر ما من المفارقة التاريخية. ففي كانون الثاني/يناير 1976 دخلت سوريا إلى لبنان بعد أن دُعيت «لفرض النظام» والتوسط بين الصقور في الحرب الأهلية في الدولة. ولم تخرج سوريا من لبنان إلا في 2005. أما إيران فتأمل في أن تبقى في سوريا طالما ثمة نفس في صدرها.
مليون شيعي في سوريا هم الذين تهتم إيران بهم كما تهتم بـ «قشرة الثوم». إذ يتجه كل همها نحو القوة الشيعية الحقيقية في المنطقة : حزب الله. هناك من يدّعون بأن إيران بحاجة للبنان لكي تكسب قدرة وصول إلى البحر المتوسط، ولكن إيران لا تحتاج إلى لبنان لتصدر بضاعتها، فيما لديها الخليج الفارسي وطرق برية وجوية مع العالم كله. إيران بحاجة للبحر المتوسط لتعزز الهلال الشيعي، وبالطبع كي تبني منظومتها الهجومية في مواجهة إسرائيل من خلال حزب الله.
يبعث إسقاط الطائرة الإسرائيلية منذ الآن آمالا بعيدة المدى في سوريا، وفي إيران وأساسا في لبنان، الذي خرج عن طوره كي يستغل اللحظة ويروي للجميع بأن القواعد تغيرت. ويعرف الثلاثة بأنه لولا التواجد الروسي، لكانت إسرائيل نظفت منذ زمن بعيد المنطق من التواجد الإيراني، أو خفضت على الأقل مستوى شهية إيران لتثبيت تواجدها في المنطقة. لكن المشكلة أكبر من هذا، إذ إن سلاحا روسيا أسقط طائرة إسرائيلية ـ أمريكية. كان يمكن في السبعينيات، لحدث كهذا أن يدفع السوفيات لإخراج الفودكا الفاخرة واحتساء نخب الانتصار ولا سيما تكنولوجيًا.
أما اليوم فتحظى الولايات المتحدة بعهد مميز في أوساط الدول السنية في المنطقة، ولا يبدو أن لديها رغبة بفتح جبهة دبلوماسية مع الروس. الوحيدون الذين تمقتهم الولايات المتحدة في المنطقة هم : إيران وسوريا ولبنان والفلسطينيون. ورغم أن الدعم الأمريكي للأعمال الإسرائيلية هو رد فعل شرطي، فإن إسرائيل ملزمة بأن تكون الولايات المتحدة إلى جانبها، على الأقل في مستوى التصريحات. ولا يعني هذا أن ذلك سيهز بأي قدر كان، الأركان في دمشق أو طهران، ولكنه لا يزال مهما كخطوة استعراضية، خصوصا تجاه الروس. إذ هم لا يريدون ولا الأمريكيين التصعيد في المنطقة. إذ لكلا الطرفين الكثير مما يخسره.
تثبيت تواجد زاحف هو جزء من استراتيجية شيعية إيرانية.
ينبغي أن نتذكّر بأن الإيرانيين صمدوا ثماني سنوات أمام عراق صدام. وأُجبرت إيران على التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار مع العراق فقط بعدما تدخلت القوى العظمى بسبب تضرر مصالحها (طرق النفط والتجارة). ومن الصحيح أننا إلى الآن بعيدون عن استنفاد المصالح الروسية والأمريكية في المنطقة وبانتظارنا طريق طويل من المواجهات الصغيرة والكبيرة حيال الأذرع الإيرانية.
لا يمكن لإسرائيل أن تنتظر إلى أن تزحف إيران رويدا رويدا وتقيم حيالها قواعد للحرس الثوري وقوات القدس. واضح بما يكفي ما الذي ينبغي على إسرائيل أن تفعل، هي لا تحتاج الإذن الروسي من أجل ذلك. هذا تفكير يجب أن يتغير. الدبلوماسية مهمة بلا شك، ولكن عندما لا يكون من يمكن الحديث معه، في نهاية المطاف، فإننا فقط نحن المسؤولين عن أمننا.

٭ رئيس دائرة دراسات الشرق الأوسط في جامعة إرئيل
معاريف 12/2/2018

الأنا القومية
إسرائيل لا تحتاج إذنا روسيًا لتنظّف المنطقة من إيران
د. رونين أ. كوهن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية