عدت إلى عكا. اقترح علي صالح عباسي أن نمضي النهار هناك. وافقت فورا. لا يعرف صالح، الذي اصطحبني بسيارته، إنني مشغول بمصير رماد إيفانا أردكيان، ومشغول أكثر بقراء «مصائر» الذين يلحون في معرفة حقيقة ما جرى في بيت والدها مانويل أردكيان.
رحل مانويل سنة 1948 بعد سقوط عكا بأيدي العصابات الصهيونية المسلحة إلى لبنان، واستقر وزوجته في مخيم جسر الباشا، الذي صار تجمعا لمسيحيين فلسطينيين لاجئين. توفي مانويل في المخيم بعد سنوات، وقُتلت زوجته أليس على أيدي قوات «الكتائب اللبنانية» التي اجتاحته خلال الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي. اليوم أعود إلى عكا ومعي أسئلة أخرى غير التي طرحتها الرواية: عن شك وليد في رواية زوجته «جولي» حول ما حدث، واضطراره لتصديق ما قالته له على الغداء في مطعم أبو خريستو على الشاطئ، بأن كل شيء سار على ما يرام. حينذاك، ظل وليد حائرا بين روايتها هي، وما قاله سارد الرواية عن ذهابه و«جولي» إلى القدس، حيث أودعا رماد إيفانا في بيت عائلة الدكتور فهمي الخطيب في جبل المكبر. لم أنم ليلة البارحة. سهرت أنا وأسئلتي التي جمعتها مني ومن الآخرين ومن الرواية وشخصياتها، التي أتعبتني وأتعبتها. سهرت قلقا حتى نام الليل وبقيت عيناي مفتوحتين على الاسئلة: هل ما زالت سمية صاحبة البيت تحتفظ بالوعاء الخزفي فوق ساعة الجد الراحل مانويل في بيته في ساحة عبود في عكا القديمة؟ هل حوّلت سمية بيته، الذي صار بيتها، إلى نزل صغير للسياح ينامون فيه على شرحها لتاريخ البيت القديم الذي يشرح تاريخ عكا؟ هل تسميه فعلا كما سميته أنا في الرواية «نزل إيفانا» على اسم ابنة أردكيان؟ أم أن كل ما ذكرته لم يكن سوى خرافة، إذ احتل البيت مستوطن فعلا، وطرد «جولي» بالتعاون مع زوجته، ودفعاها بعيدا فتدحرجت على السلالم، وسقط منها التمثال الخزفي الذي يحوي الرماد وتحطم، وتصاعد رمادها في سماء عكا وشكل غيوما تآلفت معها روحها التي ستظل محلقة هناك؟
اقتراح صالح فتح لي نافذة على الإجابات. في الطريق إلى عكا، سألته مازحا، إن كان يتوقع أن نلتقي بعض شخصيات روايتي في المدينة القديمة، فنهرني قائلا:
«إنت مجنون يا زلمة، اخترعت قصة وصدقتها، وبدك أوخدك على عكا تشوف خراريف جبتها من راسك؟». «أسمع حبيبي صالح، إيفانا وجولي وليد دهمان وبقية شخصيات روايتي، أصدقاء مثلهم مثلك ومثل فلسطينية هاي لبلاد، وما بسمح لك تشكك في وجود أي واحد منهم ولا لحظة واحدة». وضحكنا معا، وعبأنا صدرينا بنسمات بحر يربط بين مدينتين.
في الطريق إلى ساحة عبود تلاحقت أسئلتي وألحت عليّ. رحت أستجوب نفسي، وأضيف أسئلة أخرى عن تفاصيل ما جرى: هل ما زالت مريم عيق صاحبة البيت التي سميتها في الرواية سمية تقيم في البيت؟ هل حولته إلى فندق فعلا كما أخبرتني عندما تعرفت إليها قبل سنوات؟ هل ستتذكرني؟ كيف ستستقبل روايتي عن بيتها؟ بل كيف ستستقبل شخصيات روايتي التي أقام بعضها في بيتها باعتباره بيت أردكيان؟ عن أي من هذه الأسئلة الكثيرة المحيرة ستجيبني بصدق وصراحة؟
وصلنا إلى الميناء القديم، إلى البحر والموج والصيادين والمراكب التي تطوف بها الأغاني العكاوية فوق سطح الماء، تهتز على متنها أجساد الشباب. أول مرة أرى الدبكة الفلسطينية تطفو على سطح الموج، خفيفة مثل نسمات البحر، ورائحة السمك، عطر الصيادين الذي يميزهم، تعبئ الميناء و«مطعم أبو خريستو» يسند ظهره إلى سور المدينة مرتاحا إلى تاريخها، ويمد شرفته إلى حافة الماء. أتذكر «جولي» تسند ظهرها إلى حائط السور القديم داخل المطعم، وتكذب على زوجها، وتخبره بأن سمية استقبلتها في بيت جدها، ورحبت بوضع رماد والدتها إيفانا، حيث أوصت، على ظهر ساعة الجد التي توقفت في الواحدة ظهرا ساعة رحيله سنة 1948. وحمام الباشا، وجامع الجزار. كل هذا وأكثر صار له، بالنسبة لي، طعم الحقيقة المبهرة بخيال يعيد إلى المدينة قلبها الذي سقط من صدرها خلال النكبة.
وها نحن الآن في ساحة عبود. إحدى الساحات الكثيرة التي تتقاطع عندها شرايين عكا القديمة كمسارات التاريخ وتفاصيله. وهذا هو دكان فلان وذلك دكان علان. وهذا هو مدخل بيت أردكيان الرواية وبيت سمية أيضا، والدرج الطويل الصاعد إلى الباب الأزرق الموشح بالصدأ المعلق في سماء المدينة.
هذا إذن هو بيت مريم عيق في الحقيقة، الذي تشبه صاحبته تاريخه. هل سنجدها فيه الآن لو صعدنا. رحنا نفتش عنها في الاحتمالات. الباب مغلق والشبابيك الزرقاء، التي تبدو وقد طُليت حديثا، كما أبواب الدكاكين التي كانت كثيرة الشقوق وقد تقشر طلاؤها عندما زرت الساحة أول مرة، مغلقة أيضا، كأن لا أنفاس توقظ أنفاسها. والحارة ساكنة بدورها، إلا من صوتين خافتين لجارين يتحدثان ولا يصل إلينا معنى ما يقولان، ووقع أقدام مارة يعبرون الحارة إلى الجهة الأخرى من وقت لآخر. التفت إلى يساري. رفعت رأسي إلى أعلى. رحت أتأمل الشرفة الواقعة على الطابق الثاني. رأيت وداد عصفور تخرج من المتخيل في الرواية إلى الحقيقة، وتلم غسيلها الناشف عن حباله. عدت أتفحص درجات السلم. رأيت «جولي» وهي تنزل لهاثها عن أنفاسها، تصعد وبين يديها التمثال الخزفي الذي يحوي نصف رماد إيفانا. وسمعت من تغني:
هدي يا بحر هدي
طولنا في غيبتنا
ودي سلامي ودي
للأرض اللي ربتنا
أيقظتني من تأملاتي سيارة أوبل رصاصية اللون، تقودها فتاة سمراء في العشرينيات من عمرها، أوقفتها بين سيارات كثيرة أخرى في الساحة، وسمعتها تقول: «هياني (هاأنذا) في السيارة.. في الساحة .. قبال البيت… انت بس اطلعي يا وداد لبرة، وطلي علي بتشوفيني».
صرخت في وجه صالح:
«صالح… بتتذكر المرة اللي كانت تلم الغسيل في رواية مصائر؟»
«بتذكر في مرة كانت بتلم غسيلها الناشف… إيش فيه؟ خير؟»
«أنا سميتها وداد عصفور في الرواية… وداد يا صالح… وداد. أسمعت البنت اللي في السيارة وهي بتحكي معها ع الجوال وبتقول لها اطلعي برة يا وداد بتشوفيني». وبينما كان صالح يتحقق من سلامة عقلي، أطلت فتاة حنطية اللون جميلة من باب العمارة القديمة، حيث شرفة الغسيل الناشف، تتحدث عبر هاتف جوال في يدها وتنظر نحو السيارة الأوبل. رحت أرقب السيدتين تتحاوران هاتفيا بين الباب والسيارة، وأتأمل وصالح أيضا، بيت أردكيان في الرواية، وبيت مريم في الحقيقة، ونبحث عمن يجد لنا صاحبته. فجأة فُتح الباب الخارجي المعدني الأزرق الذي نقف قبالته. قفز كلب ذو فراء رمادي ناعم جميل واجتازه. تبعته فتاة في العشرينيات من عمرها تمسك بالحبل المحيط برقبته. بدا على ملامحها قلق. قفز الكلب نحونا، فشدت الحبل إليها وابتسمت لنا بتردد.
لم أضع الفرصة، وسألتها:
«من فضلك، ابتعرفي مريم صاحبة هدا البيت؟»
تلعثمت ملامحها. كررت عليها السؤال:
«اذا سمحتي..هدا بيت مريم عيق؟»
أجابت بعد تردد خفيف:
«آه بيتها.. مريم جارتنا».
فرحتُ كثيرا: إذن سنلتقي مريم أخيرا.
وتابعت الفتاة، بينما يحاول الكلب الاستئناس بي هذه المرة:
«بس ما بعرف إذا هي في البيت واللا لأ..خليني أتلفن الها وأشوف، رقمها عندي».
استخدمت هاتفها. قالت بضع كلمات. لاحظت شكوكا على ملامحها. قلت لها كلمات قليلة تذكر مريم بي. تغيرت ملامحها فجأة، واكتست شيئا من الحياد. ثم قدمت لي هاتفها، طالبة مني التحدث إلى مريم. تحدثت. رحبت بي مريم، وأخبرتني بأنها ستأتي خلال ساعة فور الانتهاء من عملها.
شكرنا الفتاة التي مضت مع كلبها، وعدت أنا وصالح إلى أحضان الميناء، وصخب السياح، والأغاني العربية التي ترقص موج البحر، وتفرح قلوب العاشقين. هذه هي مريم عيق العكاوية التي منحتها شخصية «سمية» في رواية «مصائر». الفلسطينية، التي زورها «كاتب» أردني وجعلها مستوطنة، لكي يمارس نوعا من «التشبيح الثقافي» العدواني عليّ وعليها وعلى شخصيات «مصائر» وحقائق عكا وأهلها. ظهرت مريم بعد قرابة ساعتين ونصف الساعة، جلنا خلالها في عكا القديمة قبل أن نعود.
«أهلا وسهلا».
قالت مرحبة، واعتذرت عن التأخير، وصعدنا ثلاثتنا إلى البيت القائم في الحقيقة وفي المتخيل الروائي.
تجولت في البيت قليلا، ثم جلستُ على كرسي خشبي قدمته لي. لا أعرف إن كنت في الرواية أم في الحقيقة. للحظات، كدت أقفز عن كرسيي وأركض نحو السلالم الداخلية، أصعد إلى الطابق العلوي، وأتأكد من وجود التمثال الخزفي، فوق ساعة الجد الخشبية القديمة. ضعت للحظات بيني وبين شخصياتي في مكان لم أعد قادرا على فصل متخيله عن حقيقته. شغلت نفسي بتأمل جدارن الصالة التي رممت وأعيد لها طابعها الحجري الجميل الذي فقدته. جلست مريم على كرسي آخر قبالتي. وظل صالح وأقفا يتأمل لقاءنا في بث حي، ينصت إلى حوار أجرته شخصية خرجت من الرواية إلى الحقيقة، والتقت مؤلفها، والتقطت صورا لها معه.
سألتها:
«ست مريم، شو رح تسمي النزل؟»
ردت بفرح من ترى أحلامها تتمشى أمامها:
«رح اسميه أوتيل الياسمين… وزرعت ياسمينة ع الباب عشان ريحتها تستقبل السياح».
قلت:
«ست مريم، رح اقترح عليكي اسم غير نزل الياسمين يدخل البيت ويدخْلِك التاريخ؟»
«كيف؟»
قدمت نفسي لمريم بتفاصيل جديدة لم تكن قد عرفتها حين التقيتها قبل عامين، أو سمعت بها. لخصت لها كل المتخيل الذي دار في بيتها في رواية «مصائر». سردتُ تفاصيل حياة مانويل أردكيان وهجرته إلى لبنان خلال نكبة 1948، وحكاية ابنته إيفانا التي هربت مع ضابط بريطاني قبل الحرب، وعودة ابنتها «جولي»، بعد ستة عقود، بنصف رماد جثة والدتها في وعاء خزفي، لتضعه فوق ساعة جدها في البيت، بناء على وصيتها بإعادتها إلى فلسطين ولو حفنة من رماد، لكي تستريح روحها في البيت الذي كان لوالديها. وأخبرتها بأن «مصائر» فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2016. اقترح صالح أن يلتقط لنا صورة مشتركة، ووافقنا معا. واقترحت أنا على مريم أن تضع صورتنا في مكان مناسب من صالون البيت. وأن تسرد لزوارها من السياح لاحقا، تاريخ بيتها انطلاقا من التسمية التي أقترحها، مرورا بحكاية أردكيان، وحكاية «جولي» والدتها في «مصائر»، انتهاء بحكايتها هي، مريم عيق، التي ورثت البيت عن شقيقها. وقلت لها إن هذه الحكايات ليست تاريخ نزل سياحي، بل هي تاريخ بيت في عكا القديمة، هو تاريخ أغلب بيوتها. وستضيف إلى النزل الجديد، بعدا دراميا.
والتفت إليها أبحث عن جواب.
نظرت إليّ طويلا، تتأملني بعمق لم أعهده في نظرات امرأة.
اعتدلت قليلا في جلستها وقالت:
«فاجأتني يا أستاز…خليني أفكر!»
فصل من سرديات بعنوان «سوبر نميمة» تصدر خلال الشهر الحالي
٭ كاتب وروائي فلسطيني
ربعي المدهون