«إن الإنسان يحلو له أن يرى رجلا صالحا يسقط ويتلطخ شرفه»
فيدور دوستويفسكي، الإخوة كارامازوف
كان دوستويفسكي بارعا في كشف مكنونات النفس الإنسانية وما يطبعها من طلب للكمال، حينا بما تبطنه من ممكنات الارتقاء، ويعتريها أحيانا أخرى من نزول في درك الدناءة والحطة بما هو تعبير عن أحد أبعاد الإنسان المتأصلة فيه، لكن أن يستلذ بعضنا بألم الآخر ويفرح لمعاناته، وإن كانت تلك المعاناة وذلك الألم ناتجا عن ظلم، فإن ذلك التشفي والفرح هو عين السقوط المريع الذي يمكن أن يصيب المرء، وهو ما يمكن أن نفهم به بعض المواقف المثارة في قضية المفكر طارق رمضان، التي تعكس نفسية مأزومة يصدر عنها البعض نكاية في الرجل، الذي يتعرض لمحاولة اغتيال معنوي بعد أن أعياهم حجاجه ومنطق تفكيره المسهم في كشف الكامن الذي يوجه النخب والساسة «والنموذج الفرنسي برمته» في حق التعدد والاختلاف وحرية التعبير، ومدى قدرة هذا النموذج في استيعاب التنوع والقبول بالرأي الآخر.
مسلك الاغتيال المعنوي والتضييق الذي نتابع فصوله مع طارق رمضان، ليس جديدا في حق رموز الفكر والفن، من الذين يقتربون من الموضوعات الشائكة في فرنسا من قبيل القضايا المرتبطة بالصهيونية أو النموذج العلماني الفرنسي وقضايا الأقليات، بمقاربة تشذ عن النهج المعتاد، ومن هذه النماذج التي عانت التضييق ولم تشفع لهم هويتهم الفرنسية، نجد الفيلسوف روجيه غارودي أحد منظري اليسار الفرنسي وأعمدة الفكر، كان ضيفا دائما على الإعلام الفرنسي قبل أن يصدر كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» يدين فيه الاستغلال السياسي لجملة من الأساطير، منها الأرض التي وهبها الله لشعب على حساب الآخرين، والاستغلال الحسابي من خلال المتاجرة في الرقم المعلن بخصوص اليهود، الذين قضوا في المحرقة النازية، فكان نبشه في الأسس التي تشكل ملامح العقيدة السياسية الصهيونية ومساءلتها في كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، كفيلا بأن يجعل منه مدانا يتنقل بين أروقة المحاكم وبعدها المنع الذي طاله من الإعلام بفعل ذلك، إلى جانب اعتناقه الإسلام.
وقد ألف كتابا خاصا عن أساليب الضغط التي انتهجتها اللوبيات الصهيونية الضاغطة في الداخل الفرنسي وأطوار المحاكمة وحيثياتها «العصابات الصهيونية..حقائق تاريخية بالأسماء». وغير بعيد عنا التضييق الذي طال الفنان المسرحي الكوميدي ديودون بالتهمة نفسها، أي معاداة السامية، هذه الوقائع وغيرها، مضافا إليها حجم التأثير الذي أحدثه طارق رمضان في مرافعاته الفكرية عن الأقليات، يجعلنا أمام مسعى لتشويه سمعته، لكن ليس بتهمة معاداة السامية، وإنما بما يلطخ شرفه ويسقطه في أعين متابعيه بكل السبل، وهذا ليس تدليلا بمنطق المؤامرة وإن كانت المؤامرة أكيدة في النماذج الشمولية الرافضة لسماع الأصوات المخالفة، وإنما تغذيه كذلك حالة الارتباك في الملفات المثارة ضده في الإعلام، أو تلك التي نتابع فصولها الآن في القضاء، ناهيك عن محاولة إثارة أخريات في سويسرا، وكأننا أمام شبح همه الوحيد وشغله الشاغل إشباع البعد الغريزي فيه ـ بدون أن ننفي عنه إنسانيته ـ ولسنا أمام عقل متقد دائم التأليف والانشغال العلمي والثقافي في أروقة التدريس والإعلام والمؤسسات الفكرية.
إن كثيرا ممن وقعوا في شرك الاختلاف الأيديولوجي مع طارق رمضان أو عجزوا عن مناظرته فكريا طيلة السنوات الماضية أو نقد أطروحاته لعمقها وأصالتها وقدرتها على النفاذ إلى أكبر شريحة لسمة الاعتدال والتركيب التي تطبعها، هم الآن فرحون ويفركون أكفهم، لأن العقل قدم استقالته عن النظر في الإشكالات الفكرية ومحاججتها في حينه، واستبدل بالتفتيش في عدد شعر لحية طارق رمضان أو نسبه لجده حسن البنا المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم صارت مجرد المزاعم والادعاءات التي نفخت فيها الدعاية فأخرجتها في حلة رديئة مسكونة بالتضارب والتناقض هي المطرقة التي سيتم بها تهشيم عقل لم يستطع كبح فعاليته الكثير من رموز الفكر والسياسة في فرنسا أو أوروبا برمتها، فهو متهم قبلا عند الكثير، والآن أضحى الادعاء حقيقة في تعبير عن عدائية مبطنة للرأي المخالف وقابلية للانسياق مع كل ما يسكت الصوت المزعج الذي يعتبرونه تهديدا لنموذج التنوير في فرنسا.
إن من يتابع فصول التضييق على الحريات مع الحجاب وتصاعد نزعات الإسلاموفوبيا، يدرك أن أخطر تشدد يرفض التعددية والاختلاف والنقد هو الذي أرسى قواعده النموذج اليعقوبي الفرنسي، إذ أضحت العلمانية مقدسا لا ينتهك، ومن ثم باسم صيانة قيم الأنوار تنتهك الأفكار التنويرية الجديدة، وتستعمل كل الوسائل لتصفية من يهدد هذا النموذج الذي اصطبغ بنزعة شمولية لا تقل في تطرفها عن التطرف الذي مورس باسم الدين مع «داعش» و«القاعدة» وغيرهما، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار تأثير اللوبي الصهيوني وتهمة معاداة السامية الحاضرة فوق الرف لكل من صارت أفكاره تشكل تهديدا.
وفي موضوع الاغتصاب، فهو أغرب من الغرابة، فالمهم أن يتلطخ شرف مفكر له تأثير في الشرق والغرب، ولو أثبت القضاء براءة المدعى عليه، ففيما تنفع البراءة حينئذ لما تكون الدعاية الإعلامية قامت بفعلها في سياق يقوم فيه الإعلام بتوجيه الوعي وصياغة المواقف والتمثلات في الكثير من القضايا، بدون إدراك منا، وما دام الجنس والاغتصاب أحد الموضوعات التي تثير الرأي العام، فإنها الأقدر على النيل من سمعته والحد من تأثيره، لاسيما خطه الفكري الجديد الذي ينحته في أوروبا، ويحاول من خلاله تقديم صورة غير مألوفة للإسلام لدى النخبة والإعلام والمجتمع، الذي ألف تغذية الانقسامات على خطاب الإسلاموفوبيا، والسعي لعدم القبول باندماج أبناء الجالية، واعتبار كل ما يرمز للخلفية الإسلامية من الأغيار الغرباء عن النموذج، إن لم يكن يشكل عداء؛ في استعادة للمرتكزات الثقافية التي شكلت النزعة الإمبريالية اتجاه الشرق وثقافة الشرق وقيمه، وهنا يمكن أن نستحضر مقولة جاك شيراك لتركيا، «إن أوروبا ناد مسيحي» لرفض انضمامها للنادي الأوروبي.
الغريب أن مثل هذا التضييق والمحاصرة لرمز الاعتدال وتبيئة النموذج الإسلامي المواطني والديمقراطي المندمج مع الخصوصية الأوروبية، يخدم أطروحة التطرف الديني، ويغذي الانكفاء على الهويات الخاصة لدى الكثير، مما يسهم في منع الاندماج، وهو ما يعني أن التطرف في النموذج العلماني الفرنسي يخدم التطرف باسم الدين، وهو ما عكسته أرقام الملتحقين بالتنظيمات المقاتلة في «الغيتو» الذي صنع لهم بحثا عن الفردوس المفقود، والأمر ليس صدفة في ما يبدو، فهناك علامة تجارية صالحة للاستعمال لن تكون لها فائدة إذا ترسخ خطاب الاعتدال الداعي إلى الاندماج والتعددية، بما يضمن السلم والتعايش ليس في الداخل الأوروبي، وإنما في الشرق والغرب، لاعتبار أن الكثير من أفكار طارق رمضان مزعجة للتيارات التي ينسبونها إليه رغما عنه، ومن يتصفح كتابه «الإصلاح الجذري» يمكن أن يلم بالنقد المعرفي الذي يقدمه للخطاب الإسلامي المعتدل نفسه، باعتباره «إصلاحا تكيفيا» مع الواقع والعصر، في حين ينبغي على المفكرين المنتسبين إلى الإسلام من مختلف حقول المعرفة، الاضطلاع بمهمة إصلاح جذري، يؤدي إلى «دمج البيئات الإنسانية الكونية والاجتماعية في صياغة الغايات الأخلاقية لرسالة الإسلام» (الإصلاح الجذري)، بحيث «إن ما نحن بحاجة إليه ـ والحديث لطارق رمضان ـ في كل ميدان علمي ليس محاولة التكيف مع التطورات الاجتماعية والعلمية، وإنما تقديم مساهمة أخلاقية، ومزيد من المثل الإنسانية والإبداعية الإيجابية للمجتمعات والعلوم والتقدم الإنساني»، هذا النص يقدم لنا طارق رمضان مهجوسا بإشكالية التقدم الإنساني مع زرع جرعة أخلاقية قيمية تشكل نسغ الإبداع والمعارف ووازع النظم المجتمعية، ولذلك كان خطابه يلقى قبولا لدى شرائح واسعة من الفرنسيين، ويمكن أن نحكم على طبيعة تأثيره البعيد وطبيعة التخوفات التي يخلقها، وهي تخوفات تستهوي ذوي النزعات المنغلقة على ذاتها وتفتقد القابلية للحوار والسؤال والبحث عن أسس للتعايش.
إن الفرحين بما يتعرض له طارق رمضان هو التطرف بشقيه، الأول: المتلحف بالعلمانية والمعجب بالنموذج الفرنسي في تدبير العلاقة مع الدين والقيم والاختلاف والتعدد، وهو نموذج متطرف لطبيعة مخلفات القطيعة التي عبرت عنها مقولة «اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس»، وهي قطيعة عنيفة ـ عقب الثورة الفرنسية ـ خلفت جراحات وارتدادات في الموقف من الدين والقيم الدينية والروحية، سواء في نسق المعرفة أو الاجتماع أو الدولة، فكان أن هدمت الثورة وما أعقبها من مخاضات سلطة مطلقة لتحالف الإقطاع والكنيسة كانت تحجر على التفكير، وأبدلتها بسلطة جديدة تحجر على التعدد والاختلاف والنقد؛ فتحولت العلمانية ـ في صيغتها الفرنسية دون غيرها من العلمانيات المعتدلة المصالحة مع الدين والرموز الدينية ـ إلى دين جديد يتصف بكل الصفات التي تصطبغ بها الأديان وأهمها القداسة وحيازتها جملة من الرموز.
أما الشق الآخر الفرح فهو التطرف المتلحف بلحاف الدين، الذي ترتفع أسهمه مع كل تضييق على الخطاب العقلاني المعتدل، فيغذي هذا التضييق الانغلاق والتقوقع على الذات ورفض الآخر.. ومن ثم ترسيخ الأحكام والمواقف المتأرجحة بين الأسود والأبيض، الرفض والقبول، الإيمان والكفر… وغير ذلك، بحيث نجد أن التطرف يخدم بعضه بعضا، فهو سواء كان بأيديولوجيا دينية أو فكرية، فإنه يضر بالتعايش المشترك بين متعدد ثقافي في مجتمعنا الإنساني، كما يضر بالحرية والعقل ويعدم ممكنات الحوار والمصير المشترك.
إن التضييق على الاعتدال هو محاولة إعدام الاندماج في سياق أوروبي بدأ الغرب ينكفئ على ذاته، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى القبول بالاختلاف والتعدد من أجل مستقبل حر وآمن. وهذا النموذج هو الذي ظل طارق رمضان يحاجج من أجله كتابة ومحاضرات ومناظرات ولقاءات إعلامية، لذلك نحن بحاجة لتغليب العقل والضمير، فنتجنب السقوط في الدعاية المنصوبة للتشهير بمفكر حر، أو في أقل الأحوال ليكن لنا حظ من الصمت في انتظار ما سيكشفه الزمن.
٭ كاتب وباحث مغربي
يحيى عالم