إسقاط الطائرات بسوريا.. تغيير لقواعد الإشتباك أم اختبار متبادل؟

حجم الخط
0

اسطنبول- محمود عثمان: أعلن الجيش الإسرائيلي عن إسقاط طائرة إسرائيلية من طراز F16 قرب الحدود السورية، سقوط الطائرة الإسرائيلية جاء بعد فترة وجيزة من إعلان تل أبيب إسقاط طائرة استطلاع عسكرية إيرانية بدون طيار دخلت إسرائيل، فيما حمل الناطق باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، إيران مسؤولية إسقاط الطائرة، قائلاً: “إيران تجر المنطقة نحو مغامرة لا تعلم كيف تنتهي”.

وكالة الأنباء التابعة للنظام السوري (سانا)، وليس وزارة الدفاع أو هيئة الأركان العامة لجيش النظام السوري، هي من أعلنت أن الدفاعات الجوية السورية تصدت للطائرات الحربية الإسرائيلية التي قصفت قاعدة عسكرية في المنطقة الوسطى، وأصابت أكثر من طائرة ، ما يثير تساؤل: لماذا تغييب الجيش والأركان ووزارة الدفاع عن المشهد؟.

بحسب ما نقلته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، فقد أصدر الجيش الإسرائيلي أوامره للمستوطنين في جميع المناطق القريبة من الجولان، بالبقاء قرب الملاجئ والمباني المحصنة. إسرائيل تغلق مجالها الجوي مع تجدد دوي صفارات الإنذار في الجولان، والبلدات الإسرائيلية في الشمال تفتح الملاجئ العامة تحسباً لتدهور الأوضاع.

رداً على إسقاط طائرتها قامت إسرائيل بقصف 12 هدفاً عسكرياً داخل سوريا. الأهداف الأربعة الرئيسية منها مواقع إيرانية، يأتي في مقدمتها قاعدة ” T – 4″ الجوية في منطقة تدمر، إذا علمنا أن هذه القاعدة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، يستخدمها الإيرانيون والروس معاً، فهل قام الإسرائيليون بالتنسيق مع الروس مسبقاً؟ أم اعتمدوا على الثقة الشديدة بالنفس، والدقة الحادة في التصويب، حتى لا تتعرض الطائرات أو بطاريات الصواريخ الروسية للإصابة ؟ أياً كان الأمر فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية،أن قواتها المتمركزة في مطار ” T – 4″ لم تصب بأذى.

هل بدأ الأمريكان باستخدام اسرائيل وسيلة للتصعيد ضد إيران في سوريا؟

يرى الإيرانيون أن جميع السيناريوهات المطروحة لتقاسم الكعكة / النفوذ في سوريا لا توفيهم حقهم. ويصرحون بأنهم، وليس أحداً غيرهم، من منع نظام بشار الأسد من السقوط، بعد أن كان على وشك الانهيار يترنح تحت ضربات المعارضة، وهم الذين خاضوا المعارك، جنباً إلى جنب أو قبل قوات النظام ضد المعارضة في جميع أنحاء سوريا.

السيناريوهات المطروحة، وخريطة النفوذ الآخذة طريقها نحو التبلور والتشكيل، لا تمنح إيران والنظام سوى دمشق والقلمون وريفها، والسيطرة على مراكز المدن الرئيسية. وهذا لا يرضي طموحات الإيرانيين بحال، لذلك يعمدون إلى سياسة التعطيل والإعاقة. تعطيل وعرقلة جميع الاتفاقيات والتفاهمات، العسكرية منها والسياسية. وهذا يفسر المحاولات المستميتة من طرف الإيرانيين للإبقاء على جذوة الصراع العسكري ملتهبة على جميع الجبهات، والضغط على الروس من أجل سد منافذ الحل السياسي، والاقتصار فقط على سيناريو الحسم العسكري.

هذا السيناريو الوحيد الذي يكسبهم الأولوية على غيرهم من القوى، بسبب تواجد ميليشياتهم على الأرض. لكن المحاولات الإيرانية المستميتة في الحسم العسكري وتثبيت مناطق النفوذ في سوريا بناء عليه، قوبلت بجدار صد أمريكي من جهة، وبرود وعدم تجاوب،وقلة دعم من طرف الروس.

واضح أن استراتيجية إدارة ترامب في تحجيم الدور الإيراني عموماً وفي سوريا على وجه الخصوص، قد أخذت طريقها إلى حيز التنفيذ . حيث تتجه الجهود الأمريكية إلى محاصرة الوجود الإيراني في منطقة دمشق وما حولها، ومنع إيران وأذرعها، حزب الله وبقية الميليشيات المسلحة التي جلبتها إيران للحرب في سوريا، من التمدد جنوبا نحو الحدود مع إسرائيل. يتم ذلك بالتوازي مع إجلاء الروس للإيرانيين وإخراجهم من منطقة الساحل، باعتبارها منطقة نفوذ روسية. و حرص الروس أيضاً على إبعاد الإيرانيين عن حلب، من خلال سيطرتهم على مركز المدينة، وعدم ممانعة التدخل العسكري التركي، في ريفها الشمالي والغربي، من خلال عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، رغم المعارضة الإيرانية الشديدة.

سيطرة الجيش التركي على ريف حلب الشمالي، وريف حلب الغربي، من أجل تأمين المدنيين، ضمن اتفاق خفض التصعيد الذي تم التوصل إليه في أستانا، وتموضع قوات الجيش التركي في مواقع حساسة، مثل تلة العيس الاستراتيجية، وفي سراقب بريف إدلب، سوف يمنح هذه القوات فرصة السيطرة والتحكم بطريق حلب دمشق الدولي,، شريان الحياة بالنسبة للشمال السوري. على الصعيد السياسي، تسبب الاستخدام الروسي المزمن للفيتو، ضد جميع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالشأن السوري، بحالة من الاستعصاء السياسي العقيم. ومما يزيد الطين بلة، إصرار الروس على التفرد بالحل السياسي في سوريا على طريقتهم. مقابل ذلك يتبع الأمريكان سياسة الحياد السلبي. الذي يعتمد تعطيل جميع مساعي ومبادرات الروس، بالطرق الدبلوماسية الناعمة، من خلال حرمانها من الشرعية الأممية الدولية، دون التدخل المباشر، أو الدخول مع الروس في اشتباك دبلوماسي.

كما يمسك الأمريكان والأوربيون بورقة إعادة الإعمار في سوريا. حيث لا قدرة مادية للروس على عملية إعادة إعمار سوريا. اعتماد الأمريكان على أسلوب المصارعة خارج الحلبة، سببه امتناعهم عن إعطاء الروس أية مكاسب أو تنازلات استراتيجية خارج سوريا. إذ يصر الروس على مقايضة حل الأزمة السورية، بالحصول على تنازلات من الأمريكان والناتو في الأزمة الأوكرانية، وأزمة الصواريخ الباليستية في أوروبا، فضلاً عن كسر العقوبات التي تفرضها أمريكا ضد روسيا وغيرها من المسائل الاستراتيجية العالقة بين الطرفين.

ارتفاع حدة التوتر وتسخين الأجواء بين القوى المتنافسة في سورية بدأ بهجوم “الدرونز” الشهير على قاعدة حميميم الروسية. ثم أعقبه إسقاط الطائرة الحربية الروسية، في ظروف لا يزال الغموض يعتريها من جميع جوانبها. ثم إسقاط الطائرة F16 الإسرائيلية في ظروف مريبة أيضاً.

هل تشهد الأيام المقبلة صراعا طرفاه، أمريكا وإسرائيل من جهة، وروسيا وإيران في الجهة المقابلة؟ الجواب متعلق إلى حد كبير بقواعد الاشتباك المتفق عليها بين أطراف الصراع. حيث كانت تنص في المرحلة السابقة على منع وصول السلاح النوعي للأطراف السورية المتقاتلة مضادات الطيران، ومضادات الدروع النوعية وغيرها. فإن كان قد تم استخدام السلاح النوعي في إسقاط المقاتلات الروسية والإسرائيلية وغيرها، فهذا معناه ومؤداه تغيير لقواعد الاشتباك.

على فرض حدوثه، فإن التغيير في قواعد الاشتباك، الذي رأيناه في الأسبوع المنصرم، هل كان مقصوداً بدافع من الأطراف المتصارعة،أم عبارة عن جس نبض، واختبار متبادل بين الفرقاء؟

هذا ما سنشهد آثاره وعواقبه في الأيام القليلة القادمة. إما زيادة في وتيرة التصعيد، أو ضبطاً للنفس، واحتواء للأزمات، كما جرت العادة خلال السنوات السبع الماضية. (الأناضول)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية