نحو تَلَقٍّ تأويلي ثقافي للسرد

حجم الخط
1

استطاعت الرواية العربية في الألفية الثالثة أن تجترح مسارات جديدة في التعبير والبناء والشكل، وتَمَكَّنَتْ من الغوص عميقاً في قضايا ظلت إلى وقتٍ قريبٍ في خانة المضمر والمسكوت عنه، ولعلَّ هذا الانهمام بالرواية، وبهذا الشكل الانفجاري له أكثر من دلالة، وينم عن وعي متزايد بقيمة «المرويات» بتعبير بول ريكور على طرق شواغل إبداعيةٍ جديدةٍ.
إن الرهان على السرد، والرواية بوجهٍ خاصٍ له ما يُبَرِّره إبداعاً وتلقياً ونقداً، بالنظر إلى حجم الرهانات التي تتخلَّق من رحمها الأعمال الروائية، بوصفها أفقاً مفتوحاً على حوامل دلالية كبرى، من هنا، تنبع أهمية السرد في نقل الأحداث والوقائع وتخطيبها بما هو تخييلي، وهذه العملية ليست حكراً على الكتابة الروائية فقط، وإنما هناك دائما حاجة ملحة إلى الخيال من أجل الكتابة، غير أن ما نتقصده ها هنا، هو هذه الحرية في الإفصاح عن التجربة الإنسانية بأسئلتها وتناقضاتها ومفارقاتها، وهذا لا يرجع فقط إلى النشاط الواسع للرواية في الآونة الأخيرة فقط، بل لارتباطها العميق بنبض المجتمع وشواغله إلى درجة التماهي والانصهار في بوتقة المعرفة بكل تجلياتها وأطيافها، وإن كانت هذه المقترحات لم تتحقق، ولم تتبلور إلا مع روايات نجيب محفوظ، التي يمكن اعتبارها «سرديات كبرى» لما اقترحته من جماليات جديدة، فالرواية العربية منذ بداياتها الأولى في أربعينيات القرن الماضي، ظلت تحتمي بالسرد التراثي، أي ذلك السرد الذي يتخذ من التراث العربي مادته في الحكي والبناء، وكان جورجي زيدان أحد رواده الكبار.
ثمة وعي إذن، بأهمية المنجز الروائي، ومدى استجابته للواقع، الذي أتاح للرواية ارتياد شواغل أخرى، كالهامش والتخييل التاريخي واستنطاق المضمر، عبر متتاليات نصية تروم الارتقاء بفن الرواية، بما تنطوي عليه من أشكالٍ مغرقة في التجريب والتخريب في الآن نفسه، والواقع، أننا أمام ظواهر أخذت على عاتقها التموقع ضمن آليات جديدة للمكاشفة وسبر أغوار التجربة الإنسانية. بموازاة ذلك، بدأت تطفو على السطح قراءات نقدية أثيرة، وقمينة في وضع سؤال الرواية تحت الأضواء الكاشفة، بعيداً عن الاشتغال التقني الذي ميز الكثير من المقاربات، وفي هذا الصدد، لابد من الالتفاف وراء تلك التحليلات الثقافية للظاهرة السردية، انطلاقاً من الحفريات العميقة من منظور ما هو ثقافي، وهذا لا يعني تجاوز القراءات الكلاسيكية للرواية، وإنما التوجه نحو قراءة تأويلية أخرى تضع بعين الاعتبار التحولات الكبرى التي عرفتها الرواية مع مطلع الألفية الثالثة، ففي اعتقادي، لابد من تغيير النزعة الشكلانية الانغلاقية في القراءة، نحو قراءة أكثر انفتاحاً على الفتوحات النقدية التي ظهرت في فترة ما بعد الحداثة، وهنا، يمكن تسليط الضوء على مقترحات الدراسات الثقافية، وما توفره من مبادرات تأويلية تتعين بوصفها إبدالا جديداً في التلقي والقراءة والتحليل.
إن مسعى الرواية الجديدة هو التوجه بالقارئ/ المتلقي نحو ارتياد آفاق أخرى، مايزال النقد عاجزاً على تفكيك إوالياتها وتفتيت عوالمها السردية، بعين ناقدةٍ مجردةٍ، قادرة على الابتكار وعدم السقوط في الاجترار والمسكوك، طالما أن أفق الكتابة السردية في تغير مستمر، ومن شأن ذلك ربط الصلة بين عالم الرواية المتحقق فعليا وعالم الإنسان بأوهامه وأحلامه وطروسه. تبدو مهمة السرد اليوم، الغوص في تلق تأويلي ثقافي بدل الانغماس في دراسات تُسَطِّحُ العمل السردي، ولا تحاول الدخول إلى مناطقه المعتمة، بما يلزم من دربةٍ وحواريةٍ وفكرٍ متوثبٍ ثاقبٍ، وفهم عميقٍ لتجليات الثقافة كوسيط على درجةٍ عاليةٍ من الأهمية، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا المصطرع النقدي: «هل تحقق لنا ما يكفي من نصوص لها هذه الطبيعة الثقافية، حتى نتمكن من مقارباتها وفق منظور تعددي ثقافي؟ سؤال كهذا يدعونا لالتقاط مفرزات الرواية العربية منذ الأربعينيات إلى وقتنا الراهن، وهو موقف حاسم من أجل تكوين نظرة شمولية تركيبية للواقع السردي وتحولاته الشكلية والبنائية. إننا في خضم هذه المسارات العسيرة للرواية العربية نتوخى تقريب الصلات، وطرق مقاربات أخرى حتى نكون في مستوى هذه التحولات، ولا مناص من الوعي بآليات النقد وتجديد وتوسيع المعارف الإدراكية والتشوفية، والبحث في كل المسارات، بما هو قمين بإحداث هذه الخلخلة المأمولة من مقاربة كل نصٍ إبداعي. والقول بتجاوز مقولات بارث وباختين وجيرار جنيت في القراءة والتحليل، هو هاجس اشتغالٍ، لا موقف رفض، بل الإشكال ها هنا، يتجلى بالخصوص في الآليات والرؤى والتصورات، بل أعتقد أن هذه الممارسات السابقة، هي مقولات تأسيسية لخطاب نقدي ضاج بالأسئلة والهواجس، ولا يسعني إلا إثارته من جديد، وإعادة التفكير فيه من منطلق الوعي به، قبل الخوض في مقولات جديدة مستمدة من معارف إنسانية أخرى، وتجديد المعرفة، يتطلب الاستفادة من كل الاتجاهات مهما بدت ضيقة وعاجزة عن مواكبة تحولات الكتابة الروائية، إلا أنها تبقى ذات أهمية كبيرة، وتسهم في استبطان المنجز الإبداعي، والانخراط في عصر المعرفة الذي نتوق إليه جميعاً، وهذا ما تفطن إليه الناقد سعيد يقطين بإشارته اللماحة إلى أن النقد العربي هو نقد قطيعةٍ وانقطاعٍ، بخلاف النقد الغربي الذي يوصف بأنه نقد استمرارية وديمومةٍ، ما يجعلنا دائما نعيش اهتزازا نقدياً، ويعيق فهمنا لوظيفة النقد كآليةٍ للاشتغال وطرح مزيد من الأسئلة، وهذا في تصوري أحد أهم المآزق التي سقطت فيها النظرية النقدية العربية، إذا سلمنا بوجود نظرية نقدية مستقلة عن سؤال المثاقفة، لذلك فالأفق النقدي العربي مشرع على عديد من المتغيرات، ومن شأنه مسايرة الوتيرة المتسارعة في عملية إنتاج نصوص روائية لها قيمة ثقافية مهمة، وهي في حاجة ملحة لقراءة تراعي خصوصياتها وسماتها، بعيداً عن التحليل التقني الذي وسم الكثير من المقاربات.

٭ كاتب مغربي

نحو تَلَقٍّ تأويلي ثقافي للسرد

رشيد الخديري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية