حواش وهوامش

حجم الخط
0

ـ ضمن أحداث روايته الجميلة «شرف كاترينا بلوم الضائع» يتساءل صاحب نوبل الألماني هاينريش بُل، عما يحدث في نفسية «خابور التليفون»، أو الشخص المكلف بالتنصت على مكالمات الآخرين كما يسميه الألمان، طبقاً لما يخبرنا به المترجم شحاتة ياسين، يقول بُل في تساؤلاته: «ماذا يظن موظف فاضل لا يؤدي سوى واجبه تحت ضغط الأوامر الصارمة، نزولا عند حاجته إلى الحصول على لقمة العيش، وربما يكون ذلك من الأمور البشعة أو الممقوتة، ماذا يظن عندما يتحتم عليه أن يتنصت على الكيفية التي يتحدث بها تليفونياً أحد السكان المجهولين، الذي نود أن نسميه هنا وباختصار: عارض الحنان، مع إنسانة لطيفة وأنيقة بصورة مميزة وعفيفة إلى حد ما مثل كاترينا بلوم؟ هل يقحم نفسه في شكل من أشكال الوجد الأخلاقي أو الجنسي أو كليهما معاً؟ هل يثور؟ هل يرق قلبه؟ ألا يقدم له ذلك لذة جديرة بالاعتبار».
يواصل هاينريش بُل تساؤلاته الساخرة، عما إذا كان المتنصت على مكالمة يدور فيها الحديث عن «تورتة البيض المحشية بالخشخاش»، سيلاحظ بدقة أن ما يتم الحديث عنه ليس إلا شيفرة فوضوية، وأن تورتة البيض المحشية يقصد بها القنابل اليدوية، والآيس كريم مع الفراولة ليس سوى متفجرات، لذلك وفي ظل ضرورة الخروج بشيء ملموس من المكالمات المسجلة على نفقة دافعي الضرائب، ما الذي يمكن أن تتسبب به المراقبة التليفونية من آثار نفسية للموظفين المسؤولين عن التنصت والتفريغ والتحليل؟ هل تدرك السلطة التي تقوم بتشغيلهم تلك الأضرار؟ وهل تكفل لهم الرعاية النفسية؟ ولماذا يتم الاهتمام فقط بمديري وسارقي ومستخدمي البنوك، ولا يتم الاهتمام بالقوات المجنّدة لشرائط التسجيل؟ وما رأي الكنيسة في ذلك؟ ولماذا يسكت البابا عن إبداء رأيه في الموضوع؟ مع أن هناك مجالاً يمكن للكنيسة والنقابات أن تعملا فيه، لتخطيط شكل من برامج التثقيف لمراقبي المكالمات التليفونية، بحيث يتم إسماعهم شرائط مسجلا عليها دروس خصوصية ترفع من كفاءتهم، بدون أن يكلف ذلك الكثير.
تنتمي أسئلة هاينريش بُل الساخرة إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، التي صدرت فيها روايته، لكنها ما زالت أسئلة تقبل الطرح الآن بجدية، حتى بعد أن تطور الأمر في أغلب الدول وأصبح ملف المراقبة التليفونية موكلاً في جزء كبير منه لبرامج «فائقة الذكاء» صنعها البشر، تستخدم آلاف الكلمات المفتاحية لفلترة ملايين المكالمات التليفونية، وإحالة ما يثير الريبة منها إلى المحللين المتخصصين، وهي تقنيات أصبحت متاحة في أغلب الدول العربية التي ندرك جميعاً مستوى ذكاء حكامها وأعوانهم، ما يدفعنا للتفكير في أسئلة هاينريش عن كفاءة مسجلي ومفرغي ومحللي المكالمات التليفونية المسجلة في بلادنا، ومدى تطورهم وقدرتهم على فهم ما بين السطور، وما تتركه تلك المهنة على نفسيتهم من آثار ربما تدفعهم للانتقام من أبرياء يتحدثون عن وصفات للطبخ، فيتم القبض عليهم بتهمة تصنيع المتفجرات، ومن يدري ربما تم تطبيق اقتراح الروائي الألماني، لنرى دورة تثقيفية يتعاون فيها الأزهر مع الكنيسة مع أجهزة الأمن القومي، لرفع كفاءة خوابير التليفونات في بلادنا، والاهتمام بصحتهم النفسية من أجل بقاء أطول للخابور الأعظم في موقع القيادة.
ـ هل يمكن أن يتقبل الناس أي حديث عن الأدب أو الثقافة أو الفنون في الأيام التي تشغلهم فيها التطورات السياسية الملتهبة والدامية؟ هذا أيضاً سؤال معاصر يرتبط بأيامنا هذه، ويواجه كل من يكتب عما لا يرتبط بالشأن السياسي، لكنه في الحقيقة سؤال قديم طرحه قبل عقود الأديب إبراهيم عبد القادر المازني في كتابه الجميل «حصاد الهشيم» الذي يقول في أحد فصوله: «وإنها لمن أعجب القِسَم أن يضطر أحدنا إلى الدفاع عن نفسه وتسويغ عمله في مستهل كلام له يهُمّ به على الأدب حتى في وقدة المعمعة السياسية»، لكن اللافت أن المازني لم يكتب تساؤله هذا إلا في فترة كانت مصر فيها «تشهد ركدة قصيرة الأجل في حومة السياسة، يرصد خلالها كل فريق أهبّته، ويحشد لما بعدها قوته»، وهو ما جعله يطلب من قارئه العذر إن وجده يتحدث في الأدب والفنون، مضيفاً: «غداً سنشبع من الطبل والصيال، ومن أبواق الدعوة إلى أقدس النضال، فما علينا لو اهتبلنا هذه الفرصة وأركضنا الفكر في حلبة الأدب؟ في ميدان خالص لوجه الإنسانية قاطبة، لا تعتلج فيه إلا القوى النزّاعة إلى الكمال، ولا تشرئب فيه العيون إلا إلى مثل الجمال والجلال، نعم ماذا علينا وأي يأس من ذلك؟ أليست حياة الأدب خاصة والفنون عامة هي طليعة كل نهضة سياسية واجتماعية؟ أين في التاريخ أمة وثبت إلى الحياة القوية بدون أن يهيئ لها الأدب أسبابها؟ أليس الواضح الذي لا يحتاج إلى إبانة أو تدليل أنه لا بد أن يفطن المرء إلى وجوده ويعرف نفسه، ويدرك صلتها بما حولها، ويطّلع على جوانب حياته، قبل أن يسع مجموع الأمة أن يقدر وجوده وحقوقه بين أمثاله وأنداده؟».
لا تعني أسئلة المازني المهمة هذه أنه كان من الذين يتهربون من إعلان مواقفهم السياسية، ويفضلون العيش في برج عاجي يفصلهم عما يدور حولهم من أحداث، فقد كانت له صولات وجولات في الكتابة السياسية، وجدت لحسن الحظ من يجمعها في كتب، ويقوم بدراسة وتحليل مواقفه، التي أياً كان خلافك أو اتفاقك معها، تخرجه من زمرة الكتاب الذين يتهربون من الاشتباك مع الواقع بدعوى الترفع عنه، ومنهم هؤلاء الذين نراهم في زماننا يرفضون الجمع بين الكتابة في الأدب والفنون والتاريخ، والكتابة المشتبكة مع الواقع، التي تقف ضد الظلم والفساد، ولو أعلنوا أنهم يفعلون ذلك لعدم قدرتهم على دفع أثمان المواقف المعارضة لاحترمهم متابعوهم، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكنهم يزعمون أنهم يفعلون ذلك تأففاً وترفعاً من الخوض في السياسة، مع أنهم لم يكونوا يأنفون من الخوض فيها بمقالات «نارية»، حين كان الكلام فيها رخيصاً ومتاحاً، ولا أظنهم سيتذكرون موقفهم ذلك، حين يتطلب الأمر أن يلبسوا مجدداً ثياب المعارضين، بعد أن يعود كلام السياسة ليصبح رخيصاً ومتاحاً.
ما يثير إعجابي الدائم بالمازني أنه رغم براعته وغزارته في الكتابة، لم يكن يمتلك أوهاماً عن دور الكتابة وتأثيرها، وهو ما يجعله يقول في موضــــع آخر: «محاولة فرد إصلاح ما في الدنيا من خلل لا يمكن أن تكون إلا فكاهة يضحك من جرأتها القدر، ولكنها على هذا فكاهــة جليلة تبعث الرجاء وتنشئ الأمل في تحقيق المستحيل، ونظام حياة الأمم ليس من صنع صانع ولا وضع واضع، ولكنما يتكون على الأدهار والأحقاب، كجزائر المرجان، وهو يتحول ويتعدل لأن الحياة قائمة على التطور، مبنية على التغير، لا لأن إنساناً هنا أو هناك أراد هذا أو أشار به»، مشيراً إلى نموذج من المثقفين يشعر بتيار الزمن حين يتدفــــق في مجــرى الحياة فيحاول أن ينطق بلسان الحوادث، ويكون لديه من فرط الاعتداد بالنفس، ما يجعله يحسب دائماً أن نطقه هو الصحيح وفهمه هو الصواب، عافانا الله وإياكم من أن نكون كهؤلاء، أو أن نُبتلى بالقراءة لهم.

٭ كاتب مصري

حواش وهوامش

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية