قناة سعودية تحتفي بفتوى إباحة عيد الحب وبالانتقال من عصر «العبايات» السوداء إلى المزركشة!

 

عشنا… حتى رأينا مَن كانوا بالأمس القريب يُشهرون سيف المنع والتحريم في وجه الناس، يسارعون اليوم إلى الإفتاء بالإباحة، مُفسّرين الشرع على هواهم أو بالأحرى على هوى أهل الحل والعقد لديهم.
ولم يعد لبعض شيوخ السعودية من موضوع يحشرون أنوفهم فيه غير «عيد الحب» الذي احتفلت به شعوب العالم أمس الأول. وتلقفت قناة «العربية» الموضوع، لتركب عليه مسايرة موجة «الانفتاح» التي دشنها أخيرا الماسكون بزمام البلاد والعباد، حيث خصصت نشرتها الإخبارية للفتوى التي أطلقها أحمد قاسم الغامدي (مدير عام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة سابقا)، إذ أجاز الاحتفال بيوم الحب باعتباره مناسبة اجتماعية، مؤكدا أن لا حرج شرعيًا في ذلك، عبر الاستعانة بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
ويبدو أن هذا «الاكتشاف» المهم لقي هوى وصدى في نفس مذيع «العربية» الذي كان يحاور الشيخ الغامدي، فهتف في نهاية الحوار: «هذا كلام مهم جدا، ونتمنى أن يلقى استحسان المشاهدين.» وكأن القوم استفاقوا أخيرا، ففتحوا أعينهم منبهرين بجمال ومتعة ما كان ميستورا، لسنين عديدة، نتيجة عقلية ترسخ فيها شيء واحد فقط: التحريم! ولا ننسى أن أحمد قاسم الغامدي أفتى بجواز الاستماع إلى الموسيقى والتمتع بالفنون خلال استضافته ـ منذ بضعة شهور ـ في قناة «خليجية»، مخالفا بذلك المواقف المتشددة التي هيمنت على الساحة لسنين طويلة.

أبشروا… إنه عصر «العبايات» الملونة!

ومسايرةً للموجة نفسها، احتفت «العربية» أيضا بالتصريح الأقرب إلى الفتوى، الصادر عن شيخ سعودي آخر، هو الدكتور عبد الله المطلق (عضو هيئة كبار العلماء والمستشار بالديوان الملكي السعودي)، والقاضي بعدم إلزامية النساء السعوديات بارتداء «العباية». وبررت القناة المذكورة ذلك بوجود «انفتاح ثقافي»، يقوده الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الانفتاح الذي تجلت بعض مظاهره في رفع السرية عن بيع العبايات «المزركشة» و»الملونة» وعدم الاقتصار على السوداء منها. وبثت «العربية» لقطات لمحالّ العبايات وقد اكتظت بألوان قوس قزح من الملابس النسائية، كما عززت تقريرها بتصريحات لفتيات ونساء سعوديات بوجوه مكشوفة، إلا واحدة فقط فكان وجهها مغطى بالكامل.
(يذكّرنا الابتهاج الذي عبّرت عنه «العربية» من خلال هذا الموضوع، بالوقع الذي أثاره الانتقال من بث التلفزيون بالأبيض والأسود إلى البث بالألوان في زمان مضى وانقضى.)
هل من الضروري أن تمر أعوام تلو أعوام، حتى يقتنع الدعاة والشيوخ بأحقية النساء السعوديات في الانتقال من عصر العباية بلون أسود فحسب، إلى عصر العبايات المزركشة، أو التخلي عن العباية كليا؟ علمًا بأن الكثير من نساء البلد وفتياته سرعان ما يضربن ذلك التقليد عرض الحائط، حين يتخطين الحدود، ويضعن أقدامهن في بلدان أخرى.
هكذا، إذن، يفهم بعض الشيوخ السعوديين الانفتاح والتحديث بطريقتهم الخاصة، حيث يحصرونه في بعض المظاهر الشكلية، متجاهلين أن الأمر يستدعي بيئة تقوم على ترسيخ قيم حقوق الإنسان للمواطنين والمقيمين كافة، وإقرار الديمقراطية والمساواة في الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية، وحرية الرأي والتعبير والتعددية السياسية، وتمكين الشعب من تنظيم نفسه في إطار أحزاب ونقابات وجمعيات وغيرها من الهيئات المدنية الحقيقية وليس الصورية.
أما التهليل لموضوعات جزئية مثل «العباية» أو «عيد الحب»، فإنه مجرد ذر للرماد في العيون وصرف النظر عن القضايا الجوهرية والآنية، في وقت اختار فيه النظام السعودي الحالي قمع كل صوت معارض ورأي مخالف. فهل هكذا يكون الانفتاح يا ناس؟

«مجازر» لغوية!

وبما أن قناة «العربية» أضحت ـ أكثر من أي وقت ومضى ـ مجرد دعاية وتطبيل للماسكين بزمام الأمور في بلاد الحرمين الشريفين، فإن هذا الانحياز المكشوف أثر سلبا على أدائها المهني، وعلى مستوى التقارير الإخبارية التي تبثها، شكلا ومحتوى. ولا شك في أن «سيبويه» ـ وهو في العالم الآخر ـ يندب المآل الذي وصلت إليه لغة الضاد في تلك القناة، حيث يضع عدد من المذيعين والمراسلين الرفع والنصب في أواخر الكلمات كما يحلو لهم، غير عابئين بالقواعد النحوية البسيطة. وكمثال على ذلك، تحدث أحد الإعلاميين في تقريره هكذا: «عاش السعوديون تحولات ثقافيةِ» (نطق ثقافية بكسرتين في آخر الكلمة وليس بفتحتين)، ثم أضاف: «قبل أن يتسيّد تيار الصحوة المشهد وتختلطُ» (نطق تختلط بالضمة وليس بالفتحة)، وتابع مجزرته اللغوية قائلا: «…أظهرَ رأيا مختلفا تجاهِ» (نطق تجاه بالكسرة وليس بالفتحة).
والواقع أن هذه الحالة ليست مقتصرة على «العربية» فقط، بل إنها تشمل العديد من القنوات العربية الأخرى. وصدق من مقال: «الناس على دين ملوكهم»، فالاعتداء الذي يمارسه الكثير من المذيعين إزاء لغة الضاد ما هو إلا جزء من الاعتداء الأكبر الذي يمارسه عليها بعض الحكام العرب؛ ملاحظة أثارها نجم «الجزيرة» الدكتور فيصل القاسم، في مقال له نشر بصحيفة «القدس العربي» منذ شهر ونصف، حيث كتب ما يلي: «في كل مرة أستمع فيها إلى حديث أو خطاب لبعض الزعماء العرب أشعر بقشعريرة، لكن ليس تحمساً لفيض أفكارهم، أو روعة بيانهم، أو حلاوة لسانهم، بل حنقاً وغضباً على براعتهم وتفننهم بإيذاء اللغة العربية، والإساءة إليها، و«شرشحتها» شر «شرشحة». قلما تجد حاكماً عربياً متمكناً من لغة الضاد، أو محترِماً لها، أو آبهاً بها، إلا من رحم ربي، فمعظمهم من قبيلة «المفعولن بوهو»، فهذا يرفع المجرور، وذاك ينصب المكسور، وغيره يجر المفعول، وآخر يكسر الفاعل، وذاك يضم الماضي، وبعضهم يفتح المضارع، والبعض الآخر يسكـّن المبتدأ، ويكسر الخبر، وكأن هناك مخططاً عربياً رسمياً لتكسير اللغة العربية، والنصب عليها، وجرها إلى أقرب حفرة، لتصبح في محل مقبورة، وعلامة قبرها الكسرة الظاهره على خاطرها».

استنساخ البرامج صناعة مغربية!

وبما أن «شر البلية ما يضحك» ـ كما يقال ـ فقد ابتلي مشاهدو التلفزيون المغربي هذه الأيام ببرنامج يزعم اكتشاف المواهب الكوميدية، ليصير هو نفسه نوعا من «الكوميديا السوداء»، المضحكة المبكية في آن واحد.
عنوان البرنامج مأخوذ من البرنامج الأمريكي الشهير «ستاند آب»، وذلك مجاراة للموضة السائدة هذه الأيام في المغرب، المتمثلة في استنساخ عناوين برامج تلفزيونية غربية وأحيانا استنساخ حتى مضامينها وطرق تقديمها. غير أن الفرق بين «ستاند آب» الأمريكي ونسخته المغربية ـ المشوهة تشويها يذكّر بالنعجة «دولي» ـ كالفرق بين الثرى والثريا. فالقائمون على البرنامج لم يتوفقوا في طريقة انتقاء المرشحين الفتيان والشباب، كما جانبهم التوفيق في تشكيل لجنة التحكيم. ومن ثم، بدا مستوى المرشحين هزيلا جدا، ولم يتمكن البرنامج ـ في حلقاته المبثوثة لحد الآن ـ من أن يفرز مواهب حقيقية تتوفر على مؤهلات ملحوظة وواعدة في الكوميديا. كما أن ملاحظات لجنة التحكيم كانت مجرد عبارات فضفاضة تائهة بلا معنى ولا بعد توجيهي ونقدي.
وإذا كان برنامج «ستاند آب» حاول أن يكون بديلا للبرنامج السابق في التلفزيون المغربي «كوميديا»، فإنه أخفق في أن يمحو من ذاكرة المشاهدين تلك اللحظات الممتعة والوجوه الفنية التي اكتشفها برنامج «كوميديا» المأسوف على توقفه.

كاتب مغربي

قناة سعودية تحتفي بفتوى إباحة عيد الحب وبالانتقال من عصر «العبايات» السوداء إلى المزركشة!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية