على الفلسطينيين نسيان «تنازلات» باراك وأولمرت

حجم الخط
0

يقع مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني المتروك في أبوديس، على بعد 2.8 كم عن الحرم، بالضبط مثل المسافة التي تبعد فيها الكنيست الإسرائيلية عن الحرم. عندما كان أبو مازن نائبا لياسر لعرفات، كانت أبوديس مخصصة لتكون «القدس الثانية» كبديل مؤقت للتقسيم الكامل للمدينة، المقدمة للشيء الحقيقي.
كان أبو مازن مستعدا في حينه لبلع هذا الضفدع، وحتى لـ «تزيين» أبوديس بمؤسسات سلطة عديدة. ولكن الآن، حيث تحاول إدارة ترامب إعادة أبوديس إلى الطاولة في إطار «صفقة القرن»، فإن أبو مازن يسميها باستخفاف «صفعة القرن». لقد أدرك أبو مازن ذلك في لقائه مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في كانون الأول الماضي. هناك سمع للمرة الأولى أن الرئيس الأمريكي يقترح على الفلسطينيين أبوديس كعاصمة بدلا من القدس. هناك أيضا ولد الطلاق الذي أعطاه رئيس السلطة الفلسطينية بعد شهر من ذلك، للإدارة الأمريكية في البيت الأبيض.
يتعلق الأمر حسب رأي محمود عباس باقتراح محرج، إن لم يكن مهينا، بعدما وضع رئيسا حكومة في إسرائيل: إيهود باراك وإيهود أولمرت، على الطاولة اقتراحات لتقسيم القدس ( باراك في كامب ديفيد 2000 وأولمرت في 2008). تشبه فكرة أبوديس في نظر الفلسطينيين محاولة تخليص حمل من أنياب ذئب. القدس كانت هناك تقريبا في أيديهم، وهناك من يريد أن يعيد العجلة إلى الوراء.
ليس واضحا إلى الآن من «غرس لدى الأمريكيين فكرة العودة إلى خيار أبوديس». الواضح أن الماضي غير البعيد لأبوديس كخيار بديل لعاصمة فلسطينية في القدس، وخاصة موقع أبو مازن في هذا الخيار، قد أعطى الأمريكيين على الأقل الأساس الأول للافتراض بأنه تجدر محاولة العودة إلى هناك.

درجة أخرى في السلم

قبل حوالي عشرين سنة كان أبو مازن شريكا مع الوزير السابق يوسي بيلين في صياغة وثيقة تفاهماتهما المشهورة. لم يكن ذلك اتفاقا، فقط وثيقة غير رسمية حول معايير الاتفاق الدائم الذي بلوراه. اقترحا في قضية القدس زيادة مساحة المدينة، وإقامة بلدية عليا وإدارتها بواسطة بلديتين ثانويتين: بلدية القدس الفلسطينية وبلدية أورشليم اليهودية.
لقد خصص لأبوديس مكان مركزي في إطار هذه التفاهمات. سماها الإسرائيليون «أورشليم الثانية»، واعتبرها الفلسطينيون درجة أخرى في السلم، لكن عمليا بدأوا يتعاملون معها كمركز بديل للحكم، مؤقت. أقاموا فيها عددا من مؤسسات السلطة والحكم: قيادة أجهزة الأمن الفلسطينية، مكاتب للحكم المحلي ومكتب محافظ القدس. ودرة التاج: مبنى المجلس التشريعي المكون من خمسة طوابق ويحوي قاعة كبيرة فيها 132 مقعدا (عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني) ومكاتب فاخرة، لم يتم إشغالها في أي يوم، لرئيس السلطة الفلسطينية ورئيس المجلس التشريعي. لسخرية القدس، أقيم مبنى البرلمان الفلسطيني على أراضي (الكيرن كييمت). كانت ثلث مساحته ضمن حدود بلدية القدس، لكن إسرائيل غضت النظر. أراضي الكيرن كييمت و450 دونم تقريبا أراضي ليهود تم شراؤها من قبل سكان مئة شعاريم قبل نحو تسعين سنة، وكلها بقيت خلف جدار الفصل. قسم الجدار أبوديس إلى قسمين غير متساويين وفقا لمسار الخط البلدي الذي حدد في 1967: 90 في المئة من أراضي القرية نقلت إلى السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية بمثابة مناطق ب. و10 في المئة فقط بقيت في حدود إسرائيل والقدس.
حاول ورثة الأراضي المحتملين النضال من أجل حقوقهم، لكنهم يأسوا سريعا. وضع الفلسطينيون اليد على معظم أراضي اليهود في أبوديس وأقاموا فوقها الكلية الإسلامية.
بقي في الجانب الإسرائيلي من أبوديس 60 دونما من تلك الصفقة. اشترى رجل الأعمال اليهودي (أرفين موسكوفيتش) جزءا من الأراضي وأسكن فيها 8 عائلات يهودية. لقد مضى أكثر من 15 سنة على عيشها في الجانب اليهودي، في منطقة غير مكتظة نسبيا بالسكان العرب. منذ سنوات وهي تنتظر عبثا الحصول على مصادقة على مخطط «كدمات تسيون» لبناء 300 وحدة سكنية على أراضي اليهود في أبوديس. المخطط موجود في اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء لمنطقة القدس، بتوجيه من المستوى السياسي وبضغط من الولايات المتحدة.
السبب الرئيسي لتجميد خطة البناء هذه، هو خيار أبوديس الذي طرحته إدارة ترامب الآن من جديد. حتى قبل تفاهمات بيلين ـ أبو مازن، كانت أبوديس جزءا من «خطة الكوريدور» التي فحصتها جهات دولية وحكومات إسرائيلية مختلفة بجدية. هدف «الكوريدور» إلى خلق «ممر آمن» بسيادة فلسطينية، مثل شارع ونفق وربما حتى جسر يربط بين منطقة أريحا والحرم. خطط لأبوديس أن تكون البوابة الشرقية ومخرج الممر الآمن الفلسطيني إلى المسجد الأقصى (في إحدى الصيغ المبكرة للمخطط طُرحت إمكانية أن تكون السيادة على الكوريدور سعودية أو أردنية).
عندما تولى إيهود باراك رئاسة الحكومة 1999، طلب إعطاء الفلسطينيين أبوديس وتحويلها إلى مناطق أ بسيادة فلسطينية كاملة. عمل الحاخام عوفاديا يوسف وآريئيل شارون بصورة مشتركة ونجحا في إحباط هذه الخطة. لعبت الأحداث لصالحهما: قبل يوم من نقل المنطقة إلى الفلسطينيين، تفجرت موجة عنف بشرت بحدوث الانتفاضة الثانية. اقترح غيلي يشاي على باراك تأجيل نقل المنطقة للفلسطينيين لعدة أيام، وتحول هذا الأمر المؤقت إلى دائم وبقيت أبوديس منطقة ب.
بعد 19 سنة، فالإهانة الفلسطينية البارزة من محاولة إعادة طرح فكرة ابوديس، تظهر أمرين. أولا، احتمال تطبيق الفكرة في عهد أبو مازن كما يبدو معدوم. ثانيا، الفجوة بين خطة أبو مازن وبين التنازلات الكبيرة التي كان باراك وأولمرت مستعدان لتقديمها في القدس، هي فجوة كبيرة. لم يستوعب الفلسطينيون بعد أنه في عهد ترامب ونتنياهو الصيغ تغيرت.
عام 2000 وافقت مبدئيا حكومة باراك على خطة الرئيس كلينتون الذي اقترح نقل الأحياء العربية في القدس للفلسطينيين وإبقاء السيطرة والسيادة الإسرائيلية على الأحياء اليهودية في العاصمة (أيضا على الأحياء التي أقيمت بعد حرب الأيام الستة). بعد 8 سنوات من ذلك، وقبل خمسة أيام فقط من استقالة رئيس الحكومة من منصبه، عرض إيهود أولمرت على رئيس السلطة أبو مازن خارطته لتقسيم القدس، أيضا هذه الخارطة مثلها مثل خطة كلينتون، تضمنت تقسيما بين الأحياء اليهودية والعربية، وإدارة بأمانة للباحة المقدسة وفي ضمنها البلدة القديمة بواسطة خمس دول : إسرائيل والولايات المتحدة والأردن والسعودية والدولة الفلسطينية.
أمل أولمرت أن يوافق أبو مازن على المخطط. لقد خطط لتقديمه فورا للمصادقة عليه من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس الكونغرس ومجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، وعندها سيتم التوقيع عليه بالأحرف الأولى في البيت الأبيض.
ولكن أبو مازن رفض الخطة الأكثر سخاء التي قدمها أي رئيس إسرائيلي. حين تطرح اليوم فكرة أبوديس من جديد، يستخدمها أبو مازن لهدفين: أداة للتصادم مع الولايات المتحدة في إطار المواجهة مع ترامب بعد إعلان القدس، وكنوع من كسب الوقت الذي يهدف إلى التدليل كم أن الفلسطينيين بعيدون اليوم عن هذه الفكرة، بعد رفضهم اقتراحات أكبر بعدة مرات قدمها باراك وأولمرت.

إسرائيل اليوم 16/2/2018

على الفلسطينيين نسيان «تنازلات» باراك وأولمرت
في عهد ترامب ونتنياهو لن يرى محمود عباس سوى اقتراحات محرجة ومهينة
نداف شرغاي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية