معرض «الطبيعة» للمصرية أمينة الدمرداش: نساء صاخبات يغزلن وحدتهن

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: من بعيد يبدو المشهد مُحرّضاً على البهجة، حيث التكوينات والأشكال والألوان المختلفة، زهور متنوعة، أشجار تمتد وتتواصل عبر الطريق، أو تتداخل للرائي وهو يسير مستعينا بحدسه داخل إحدى الغابات.
كائنات تحتمي ببعضها بعضا وتشكل عالماً محكوما بتفاصيلها، سرّيا إلى حدٍ كبير، رغم المبالغة في الإعلان عن وجوده. هكذا يتم التوحد بين (الطبيعة) و(المرأة)، ليس في مباشرة فنية معتادة، أو من خلال مقولات وأفكار كلاسيكية مُستهلكة، لكن عبر خطوط وألوان صاخبة وحيّة في حالتها القصوى. وتحت اسم «الطبيعة» جاء معرض الفنانة أمينة الدمرداش، الذي أقيم مؤخراً في غاليري الزمالك للفن، حيث تستعرض من خلاله هذه العلاقة المعقدة بين الطبيعة والمرأة، خاصة في لحظات أكثرها واهن، وأكثر دقة وصدق فني عن حال وطبيعة المرأة واختياراتها، وكيفية تحمّل هذه الاختيارات، التي تنعكس في الأخير على الروح والجسد معاً.

الاحتفاء بالجسد

نساء يجتمعن حول طاولة في مطعم، أو يتشاركن الشراب في إحدى الحانات، دونما أدنى اغتراب عن أجسادهن، عاريات وقد استأنستهن أجسادهن في عالم يبدو خيالياً للوهلة الأولى، لكنه من خلال ملامحهن وجلساتهن، يصبح أكثر حقيقة مما نعرف نحن أو نظن أننا نعرف. ورغم أن ثيمة الجسد العاري ثيمة شهيرة في الفن عموماً، سواء كتابة أو تشكيلاً، إلا أن الأجساد هنا هي التي تخلق عالمها، بحيث تبدو صاحباتها وكأنهن ــ رغم التواجد معاً ــ بمفردهن، حرية قصوى يعشنها ويتعاملن من خلالها مع كل الموجودات. لذا لم يأت التجسيد مجرد سعي وراء مفاتن الجسد حسب النظرة الذكورية، أو حتى حسب مراهقة أنثوية تحتفي بجسد على الموضة ــ استهلاكي بطبعه ــ وهو ما توضحه الخطوط والألوان التي تقترب من خطوط الأطفال. المسألة في العودة إلى شيء من الطبيعة أو الفطرة، قبل القوانين والأعراف الاجتماعية، دونما حالة التباهي المعهودة أو حتى الانتقام من الجسد وتشويهه في النهاية، كانتصار موهوم بمفردات زائفة. طفلات لا يشعرن بأي اغتراب عن أجسادهن، نساء طالتهن تجارب شتى، ولن يجدن سبيلاً في النهاية سوى الاحتماء بالجسد، بل واستعراض تجاربهن من خلاله، كتقدم العمر، أو بعض علامات الزمن، بدون إخفاء أو حتى الشعور بأدنى درجة من الكُره أو الانفصال عنه ولو للحظة عابرة.

الاحتفاء بالفن

ورغم صخب بعض اللوحات، إلا أن الفنانة حاولت أن تتوحد وعملها الفني ــ عالم اللوحة ــ فلم تنفصل عما تقوم به من تجسيد لحالتها، هنا يبدو الأمر أكثر وضوحاً، فإطار اللوحة المُعَد، وجلستها، سواء تبدأ أو تستكمل اللوحة، تبدو هنا في حالة تناغم تام، ما بين عالمها وحال اللوحة التي لم تكتمل بعد، هناك حالة من التوحد ما بين الإطار والفعل.
الخطوط هنا بسيطة، ويكاد الجسد يتمثل خطاً واهناً كحالة صاحبته، التي تقوم بتدوينها على اللوحة من خلال تفاصيل جسدها. هذا التفاصيل التي تتواتر كاشفة عن حالات أخرى كثيرة، بين حالة الوحدة في ممارسة الحب وحتى الحالة نفسها مع بعض الكؤوس الفارغة.
فبعيداً عن مقارنات فارغة بين ذكورة وأنوثه وما شابه، يبدو عالم الطبيعة من خلال لوحات أمينة الدمــــرداش يستكشــــف وجوداً أنثوياً دونما ضجة أو افتعال، كما يحدث في الكثير من الأعمال الفنية لتشكيليات لاهثات للمناداة أو بأفكار يتسلين بها، دونما اقتناع أو حتى أدنى درجة من الوعي. هذه اللوحات رغم مسحتها الارستقراطية، تكشف الكثير من المدّعيات والمدعين أيضاً.

معرض «الطبيعة» للمصرية أمينة الدمرداش: نساء صاخبات يغزلن وحدتهن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية