عطر النفط

حجم الخط
0

عطر النفط

الياس خوريعطر النفطاخطأ نزار قباني حين وعد حبيبته بقارورة نفط بدل قارورة عطر. كان ذلك بعيد حرب تشرين 1973، يوم ضربت الحمية القومية المشاعر، وصدّق الناس ان النفط سلاح في معركة فلسطين. نزار قباني التقط اللحظة النفطية جاعلا منها لحظة شعرية، او هكذا اعنقد شاعر الرسم بالكلمات ، وكان مخطئا. لم يخنه الشعر فقط بل خانه النفط ايضا. فكرة ان تتعطّر امرأة بالبنزين او الكاز مثيرة للتقزز، ولا تذكّر سوي بالقمل، الذي كانت جداتنا يقاومنه بفرك الشعر بالكاز. اخطأ الشاعر، لأنه اعتقد انه يمكن تحويل النفط مجازا، واستخدامه في قصيدة تمزج الغزل بالشعر السياسي. وتناسي ان الاستعارة المقززة التي استخدمها لا تصلح، لا لأن البنزين لا يتحول عطراً فقط، بل لأن النفط حوّل العرب من شعب الي مجاز، ونجح في امتهان العالم العربي واذلاله، واعطاء الثروة شكل الجريمة الأخلاقية.الحق ليس علي نزار قباني، الشاعر اخطأ من دون شك، وجلّ من لا يخطئ، الحق علي تشرشل. قال رئيس وزراء بريطانيا خلال العرب العالمية الثانية، انه سوف يؤسس دولة الي جانب كل بئر نفط. بالطبع كان تشرشل يستخدم المجاز، اذ ان كلفة تأسيس هذه الدول كانت ستلتهم الريع النفطي بأسره. غير ان مجاز السياسي كان اكثر دقة من مجاز الشاعر.كان في وسعنا مغفرة خطأ الشاعر، لو لم يصير البنزين رائحة العرب. وهنا تقع المفارقة. كان مجاز الشاعر صائبا في شكل مريع. لكننا لسنا مضطرين الي تحويل عارنا عطرا، والتمتع به، او مدحه.كان ذلك عام 1973، حين قطع العرب النفط، ثم تعلموا بعد اغتيال الملك فيصل ان النفط ليس سلاحا الا في ايدي اصحابه الحقيقيين، اي في ايدي مستهلكيه. وصار النفط آخر اسلحة الحرب الباردة، حين وضع في تصرف الحرب الأفغانية، وحوّل الأصولية الجهادية المتحالفة مع الولايات المتحدة ظاهرة كونية.والحق ليس علي نزار قباني، بل علي جمال عبدالناصر. لكن عبدالناصر مات عام 1970، قبل ثلاثة اعوام من حرب تشرين. غير ان التسوية مع البلاد النفطية تمت بسبب هزيمة حزيران، وبعد فشل حرب اليمن، في وضع مصر الناصرية علي تخوم آبار النفط. بدل ان تذهب مصر الي النفط، جاء اليها النفط بقيمه وثقافته واصوليته. غير ان المليارين اللذين يتلقاهما النظام المصري كمساعدة سنوية من اجل معاهدة السلام مع اسرائيل، لا تأتي من الدول النفطية في شكل مباشر، بل تأتي عبر امريكا. اي ان كبري الدول العربية لم تأخذ من النفط سوي حصة الكآبة، وشيوع ثقافة منحطة مرتبطة بالفضائيات الأصولية، وعودة الة الخرافة، في مواجهة الفقر والفشل والبهدلة القومية.لا نستطيع محاسبة الأنظمة العربية، وكيف لنا ان نحاسب من يعتقد انه يستطيع محاسبة المواطنين، لأنه ليس مسؤولا امامهم، بل ليس مسؤولا علي الاطلاق. لذا نميل الي محاسبة الشاعر، ونتوقف عند اخطائه، متناسين انه مثلنا، عاش ومات في زمن النفط، وانه هو ايضا لم يكن يملك من امره شيئا، وان بيته الدمشقي الجميل لم يتحول متحفا، بل اشترته عائلة دمشقية متدينة.حتي في موته، وجد شاعر دمشق نفسه وحيدا، لأن مأتمه كان خاليا من الرسميين، الذين لم يجدوا مبررا لتكريم شاعر الشام، الذي كتب دمشق في شغاف قلبه.خطأ الشاعر يمكن تصحيحه، قصيدة جميلة واحدة تكفي. ونزار كتب مئات القصائد الجميلة، التي محت الخطأ، واعتذرت.لكن ماذا نفعل بحقيقة النفط المجازية؟لم يسبق للدويلات النفطية ان شعرت بمثل الراحة التي تشعر فيها الآن. حماقة الديكتاتور العراقي في احتلال الكويت، اعطتها الشرعية. ثم جاء الاحتلال الامريكي للعراق ليعطيها الآمان. انها تعيش اليوم في آمان سياسي شبه مطلق، او هكذا تعتقد. والآمان السياسي يحررها من اي توقع. من يطالبهم بدعم الفلسطينيين الجائعين اليوم؟العرب اغني من اوروبا، ومع ذلك تبدو الفاقة الفلسطينية، الناجمة عن وحشية الاحتلال مسؤولية اوروبية! النفط لا يبالي، ولماذا يبالي حين تصاب الثقافة العربية بأسرها بلوثته، ويبقّع ورق الصحف واقلام الكتاب، وفضاء التلفزيون.النفط لا يبالي، سعر البرميل يطير، وبدل ان يشعر العالم العربي بأنه يملك ثروة سياسية واقتصادية، اذا به يطير عن الخريطة، ويصير اضحوكة الأمم ومسخرة الدول.الآن، لا عام 1973، يصير مجاز الشاعر حقيقة، ويجد العربي نفسه امام قارورة بنزين، يقدمها لحبيبته التي تشعر بالغثيان.الآن، يجتاحنا الغثيان، ونسقط في الهاوية.عيب ان نقول انه العيب، لأن هذا الانحطاط، لا يبالي، يفتخر بانحطاطه، ويتغرغر بذله، وينتشي بعطر النفط.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية