شعر خارج محافل التتويج

لا تتقيد جغرافيات الكتابة الشعرية بحدود الخارطة الموضوعة بين يديك، كما لا تنحصر مفاهيمُها وتصوراتها في ما هو نزيلُ ذاكرتك، أو ذاكرةِ المبحرين على ظهر هذه السفينة، إذ ليس ثمة من مدرسة مفوضة إداريا لممارسة سلطتها الجمالية والشعرية على أحد، لأنك وأنت هنا لسبب أو لآخر، لا تنس أن العالم يظل محتفظا بوجوده على طريقته هناك، باعتبار أنك لا تمتلك في رحاباتِه الشاسعة أكثر من ذلك الحيز الصغير، الذي لن تفلح في الكشف عنه عينُ المجهر الثاقبة، بمعنى أنما تكتبه الآن وما أنت بصدد قراءته أو ما انتهيت من قراءته على امتداد أزمنة طويلة، أو قصيرة أمضيتها في ضيافة هذا العالم، ليس أكثر من حرف يتيم في قصيدة كونية، لن تنتهي أيدي الخلق من كتابتها، إلى أن يرث البددُ الأرض ومن عليها، لذلك فإن أكبر جناية يمكن أن تُمارَسَ في حق الشعر، هي تسييجه بأحكام قيمية ومطلقة، تعتمد على نماذج جاهزة ومنغلقة على قوانينها أو مرجعياتها الخاصة بها، فيما الحياة نظريا محفوفة أبدا بمسالكها ومضايقها الفكرية والمعرفية الموغلة في تعددها وتشعبها، بما يعني أن أحكام القيمة، تكون عادة مؤطرة بحدِّها الإقصائي، والتحجيمي، حيث تُحرم خرائطُ وأرخبيلاتٌ إبداعية من حقها المشروع في الاستفادة من نعمة الإنارة، علما بأن ضراوة الإقصاء قد تشمل شعوبا، لغاتٍ، أزمنة وأمكنةً ضاجة بأسئلة شعرياتها، وبالتالي فإن أي منهجية تصنيفية تمارس ديكتاتورية الإقصاء على النماذج التي تضعها خارج قناعات هذه الضراوة، لا يمكن أن تكون لها صلةٌ من قريب أو بعيد، بالقول الشعري وبكتابته، خاصة وأن مبدأ الوجود الشعري ومن منطلق اعتباره قيمة جمالية وإنسانية، يعود في الأصل إلى مبدأ الحق في الانتشاء ببوح ما، كما يعود إلى تلك الحاجة الملحة للبحث عن برزخ ممكن، تستطيع الذات أن تهتدي من خلاله إلى دواخلها، التي قد تكون هي أيضا دواخل الآخر، وكل تقييم يشذُّ عن هذه القاعدة، لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال إلا إقصائيا. مع العلم أن حديثنا عن الشعر في هذا السياق، يستبعدُ أساسا من مدونته كل استحضار مُبيتٍ للرداءة وللتهريج، اللذين تصدح بهما مسوخُ الوقت، باعتبار أن اللاشعر محكوم عليه بأن يظل خارج المدارِ الذي نحنُ بصدده، وهو مدار شعريةِ القولِ، ومدارُ كتابته بامتياز، فضلا عن كون اللاشعر يُقصى ذاتيا، وجذريا من المدارين معا، مهما تعددت طقوس تكريمه ومهما تعددت طبعات مجاميعه، ومهما تعددت أطاريحُ التدليس المدبَّجة حول ما يخربشه من هراء. وهو رأيٌ لن تتسرب إليه ظلال المفارقات، باعتبار أن القول بضرورة فصل الشعر عن نقيضه، لا يتعارض مع الإقرار بوجوب إقصاء اللاشعر عن فضاء الشعر.
ومن الواضح أننا في هذا السياق، نتحدث عن ضرورة الاحتكام إلى ديمقراطية إنصاف المرجعيات الشعرية، بمختلف انتماءاتها اللغوية والجغرافية، كلما كانت منذورة للتماهي مع مكابدات الكائن، وما يطرحه من أسئلة صغيرة أو كبيرة، تلهج بنداءات أجساده وتباريح أرواحه، وكل مسعى يهدفُ إلى مَرْكزَةِ الحضور الشعري في مدونة شعرية مقيدة بحدها الحضاري أو التاريخي دون غيرها، ومهما بلغت جماليتها من التناغم والتكامل والانسجام، فإن ذلك يعتبر في حد ذاته اجتثاثا ضمنيا وعدوانيا لجذور شعريات أساسية، لها وزنها الكبير في المشهد الكوني، إما بفعل تجاهل حضاري، أو إثني مقصود، أو بفعل جهل معرفي وثقافي، وكلها عوامل مندرجة في باب إعدام كافة الرموز الشعرية المتواجدة خارج المرْكزية المتلولبة حول أوهام تعاليها.
ومن المؤكد أن هذا التصور يضعنا في صلب إحراج كبير، من الصعب الاستهانة به، أو صرف النظر عنه، وهو المتعلق باستحالة الإحاطة بخبايا التجارب الشعرية المتفاعلة في قلب الجغرافيات المشار إليها، حيث يتعذر حصر عناوينها في أي خزانة كونية، أو أي موسوعة أكاديمية، ذاكرة، أو أرشيف، وهو ما يفسح المجال لأوهام الريادة والرياسة الحضارية، وأوهام حضور شعرياتها وسلطتها، المبررة لممارساتها الإقصائية في حق مدوَّنات شعرية، تنتمي لهذا الأرخبيل أو ذاك. وهي أوهام تجهل أن ثمة دائما حقائق أخرى مجاورة أو موازية، غير تلك التي تتلألأ شُهُبُها بين جنبات المدفأة، ومع ذلك، فإن ما تهذي به مختبراتُ التنميط، تجاه هذه الحقائق، سيُحمَل على مَحْمل الجد، لا لشيء إلا لأن آليات المختبر تتحكم بشكل تام في منهجية التبليغ والإقناع، وانطلاقا من هذه الاعتبارات وغيرها، يمكن تفسير استفحال ظاهرة التتويج الملاحظة في مختلف الجغرافيات الثقافية المنغلقة على ذاتها، والمصابة بعمى الرؤية، حيث ستكون أنت أيضا، مجبرا على الاندماج في طقوسها، بالرغم من افتقارها إلى الحد الأدنى من المصداقية، سيما وأن مِنْ ذات إلا وهي معنيةٌ بتحقيق فرصة تتويجها، ما دامت حياة الكائن عموما، لا تعدو أن تكون سلسلة طويلة ومتتالية من المكابدات، أملا في الفوز بتتويج ما، مهما كان ملفقا، وهو ما يجعل الفضاءات الثقافية على ما تعانيه من عِوزٍ وبؤس، ساحاتِ معاركَ ضاريةٍ لا تنتهي، بين فِعل التتويج، وبين إحراق عروشه، بهدف تكريس تتويجات مناوئة، فكل جهة تستميت من أجل الظفر بحصتها المتعالية عن كل منافسة محتملة، باعتبارها السبيل الملائم لتحقيق ذلك الحضور الكبير! والذي على ضوئه يتم إعادة ترتيب المشهد، وبالتالي إحكام القبضة على ريش الفريسة، والاستئثار بشعلة فضاء دلالي وبسلطته.
علما بأنه في بعض الحالات النادرة والاستثنائية، تتوافر شروط الاحتفاء، مجسدة في نضج حكمة القول والإنصات، والمؤثرة حتما في نضج قوانين التصنيف، حيث بإمكانك أن تنادي الشيطان بكل أسمائه الأميرية، وأن تميز بين الإيقاعات والاختيارات، المتميزة بقوة تأثيرها، حيث لا قيمة لاختيار فكري وجمالي يفتقر إلى عنفه وعنفوانه الداخلي، وإلى القدرة على استعادة الأسئلة المنسية في ذاكرتك، وتحفيزك على مراجعة مفاهيمك، وآليات اجتراحك لما تبثه شعرية القول من إشارات، كي تبادر إلى تأمل ما أنت محاط به من أنساق ومنظومات، وكي تتمكن من اكتشاف مسارات جديدة، تشع بضوء الرؤية والقول، دون أن يخامرك أدنى شك في أنها كُتِبتْ من أجلك، كما من أجل الآخرين، بصرف النظر عن الأرض التي اندلَقَتْ من رحمها. مع العلم أن أخطر ما تتصف به أزمنة الحداثة، هو تداعياتها الطوفانية، المعبر عنها بتلك البلبلة المرعبة في الأشكال والألوان، والمؤدية حتما إلى تفكك قوانين الاختيار، نتيجة انتهاء صلاحية القوانين التقليدية، التي كانت تتم على أساسها عملية التفاعل مع القيم المتداولة، فبقوة وعنف هذه الانقلابات، أمست جبال كاملة وبحور، وسماوات، قابلة للإعلان عن احتجابها التام، بفعل الانقلاب العام الطبيعي والعشوائي في آن، القائم في عمق المشهد.
إن مشاريع نظرية وإبداعية كبيرة، سبق أن تطلَّب إنجازُها جهدا فرديا وجماعيا، وعلى امتداد أزمنة طويلة، أمست قابلة للاندثار في لمح البصر، بتأثير ما أسميه دينامية التفريغ، والمنتشية بلذة إخلاء العالم من عوالمه، وهي حركية لا تُولِي أيَّ اعتبار لأي منجز ثقافي أو حضاري، إلا في حدود ما يمتلكه من قابلية كبيرة لإخلاء المشهد فور استنفاده لمهامه المحدودة في المكان والزمان. هكذا تستسلم الدينامية ذاتها لنشوتها التدميرية، دون أن تطمئن إلى أي اختيار نهائي، يمكن اعتماده بوصفه بديلا لِمَا تم استهلاكه، واستنزافه، سواء كان ذا طبيعة مادية أو رمزية.
و ما نعنيه بنهاية مقولة البديل النموذجي، هو انفتاح دينامية التفريغ على كل ما يمتلكه المختلِفُ من تلوينات، بعيدا عن أي منهجية ثابتة وتقديسية، ففي قلب التفريغ الكبير، يكون التيه الكبير، والخلط الكبير، والفوضى المطلقة، والتي يتعلل هاجس التلاشي بإمكانية العثور بين أنقاضها على بصيص رؤية، أو شعاع وهم، حيث يتحول الهدم إلى تقليد، إلى قاعدة، كما يتحول إلى واقع يعلو ولا يعلى عليه، وأيضا إلى نموذج يحتذى به، مع استحضار ما يكفي من الخطابات، لتبرير فلسفة الخلط، وتبرير مشروعية هدم كل شيء، من أجل إعادة بناء أي شيء، كي يظل ثمة شعر آخر هناك، محتفظا بدهشته وإدهاشه خارج محفل التتويج.

شاعر وكاتب من المغرب

شعر خارج محافل التتويج

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية