الدوحة ـ «القدس العربي» ـ سليمان حاج إبراهيم: عشرات الشباب القطريين والخليجيين يسافرون لأشهر عبر الزمن لاستعادة تاريخ أجدادهم، ويغوصون في الماضي للوقوف على تلال كانت مرتعا لذكريات آبائهم، ويعايشون بأنفسهم تجربة الصيد التقليدي، في أعماق البيداء، ويمضون ساعات متواصلة في الفيافي بحثا عن غنيمة وقنص صيد ثمين رصدت للفائزين فيه جوائر قيمة بملايين الريالات.
المشروع الذي أطلقته قطر قبل سنوات ضمن فعاليات بطولة «القلايل» للصيد التقليدي، تحول مؤخرا لحدث بارز ينتظره عشاق هذه الهواية الراسخة في وجدان أبناء المنطقة، ويتلهف لحضور فعالياتها جمهور واسع من أبناء البلد والمقيمين فيها.
وعلى امتداد المواسم اكتسبت البطولة مشجعين أجانب أصبحوا مداومين على موقع الحدث ويرابضون لساعات طويلة يتابعون المتسابقين وهم يجوبون الأماكن بحثا عن طرائد يعززون بها أرصدتهم ولا يكلون من طول ساعات المنافسة ويتابعون تفاصيلها.
ولا يحول بعد المكان، في محمية بالقرب من الحدود القطرية مع السعودية المغلقة منذ أشهر، دون انتقال المئات من محبي هذه الهواية وعشاقها، وعشرات المقيمين للوقوف على جولات البطولة التي اكتسبت زخما لسمعتها الطيبة.
يكشف خالد بن محمد مبارك العلي المعاضيد، رئيس اللجنة المنظمة للبطولة عن سير المنافسة ومواضبتها على توفير كافة سبل الراحة للمشاركين، وللضيوف للاستمتاع بالفعالية والوقوف على هذه الرياضة الفريدة.
ويتحدث بفخر عن التجهيزات الحديثة المعتمدة والتي أضافت لمست حديثة على البطولة ومنها توفير غرفة تحكم لحكام البطولة في المقر ذاته، وزودت ذلك المقر بأحدث أجهزة الاتصالات والشبكات.
وأشار في حديثه باعتزاز إلى موجات للاتصالات اعتمدت لتسهيل تبادل المعلومات لأعضاء الفرق، كل على حدة دون إطلاع الفرق الأخرى على تلك الاتصالات، بالتنسيق مع شركة «أوريدو» التي زودتهم بأفضل شبكة اتصالات متطورة.
وأكد على ضرورة توظيف التكنولوجيا والتي منها برنامج سناب شات القلايل ووسائل التواصل الاجتماعي التي تواكب مجريات البطولة منذ بداياتها من خلال فريق متكامل متخصص في هذا المجال لعكس الصورة التشويقية للبطولة، ولإظهار كافة مراحل الصيد، بالإيجابيات والسلبيات، ونقل ما وراء الكواليس.
اللجنة المنظمة أعلنت عن جوائز قيمة منها حصول صاحب المركز الأول على منحة مالية قدرها مليون ريال (حوالي 300 ألف دولار) وصاحب المركز الثاني سيتحصل على 700 ألف ريال، أما المركز الثالث فسيفوز بـ500 ألف ريال، ولفت إلى استحداث جائزة جديدة ستمنح للقائد المثالي وتبلغ قيمتها 10 آلاف ريال قطرية.
ويشير القائمون على المنافسة إلى أن اهتمام دولة قطر بتأصيل التراث وترسيخه لدى الأجيال الجديدة، هو أحد أبرز أهدافهم من أجل الإسهام بشكل كبير في تعزيز فكرة الصيد غير الجائر، وهي من البطولات التي لها قاعدة جماهيرية في الخليج العربي، ومن أشهر البطولات في المنطقة، كما أن الإقبال عليها كبير من قِبل الهواة والمهتمين بهذا المجال.
في ظل الحصار
الموسم الماضي تميز بمشاركة فاعلة من متنافسين من السعودية والإمارات والبحرين، وكانت هناك تساؤلات تدور حول مدى تقبل المنظمين لمشاركين من هذه الدول.
القطريون أعلنوا أن أعداد المشاركين تبلغ 270 من القناصين والصيادين والمهتمين بالصيد التقليدي، من بينهم 61 مشاركا من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منهم 18 من السعودية والكويت 22 وسلطنة عمان 20 ومن البحرين مشارك واحد، وبالتالي فهم تجاوزوا عقدة الموافقة على تقبل مشاركين من الدول التي تفرض حصارا على بلدهم.
وأوضح المعاضيد أن هواة الصيد التقليدي يستمتعون بقوة المنافسات خاصة وأن اللجنة المنظمة أدخلت بعض التعديلات التي من شأنها أن تنعكس بالإيجاب على أجواء المنافسات، مؤكداً أن كل فرد من أفراد اللجنة المنظمة واللجان التابعة يبذل أقصى جهوده لتخرج بطولة القلايل بصورة تليق باسم قطر وبتاريخ البطولة ذاتها.
وقال رئيس اللجنة المنظمة للبطولة إن القلايل ستواصل توجيه رسائلها إلى الأجيال الجديدة بما تحمله من قيم وعادات وتقاليد توارثها الجميع عن الآباء والأجداد، معتبراً هذا أحد الأهداف الرئيسية التي تتطلع إليها القلايل في كل عام.
وأشار رئيس اللجنة المنظمة للبطولة إلى الحماس الذي بدا واضحاً على وجوه أعضاء فرق المجموعة الأولى وهو ما سوف ينعكس بالإيجاب على قوة وإثارة ومتعة المنافسات حسب قوله.
وقال عادل الملا عضو فريق سهيل وهو لاعب منتخب قطر لكرة القدم سابقاً، إن بطولة القلايل لها شهرة واسعة وتحوز على جماهيرية عريضة ومعظم من يشاركون فيها يكونون من أصحاب الخبرات ولذلك يحرص الجميع على أن يكون أعضاء الفرق من أصحاب الخبرات في المقناص.
وأشار إلى أنهم خاضوا فترة إعداد قاربت الشهر ونصف من أجل الاستعداد جيداً للمنافسات التي قال عنها إنها ستكون قوية كما هي عادة بطولة القلايل، موضحاً أن الاستعداد شمل التدريب على ركوب المطايا لمسافات طويلة وتدريب الطيور.
وأضاف عضو فريق سهيل: نعلم جيداً أن الفرق المشاركة هي فرق قوية ولكن بالرغم من ذلك لا نخشى أيا من الفرق المشاركة وكل تركيزهم على تحقيق نتائج إيجابية تساعدهم في مواصلة المشوار بالبطولة، مشيراً إلى أن كل الفرق تجتهد والتوفيق في النهاية من الله متمنياً أن يكون التوفيق حليف فريقه.
استحضار تراث
ضارب بجذوره في البادية
«القلايل» جمع كلمة «قلاله» ويطلق هذا الاسم على الحزم الذي يتميّز بصلابة الصخور فيه وغالباً تتكون الصخور في قمة الحزم ونرى في منطقة القلايل مجموعة من الحزوم أو القلايل التي نحتت صخورها الرياح منذ القدم ومنحتها هذا المنظر الجميل الذي نراه الآن في هذه المنطقة الصحراوية التي خصصت للبطولة وعليه تم اختيارها تحت اسم بطولة القلايل. وبطولة القلايل للمقناص تعتبر من الأهم والأكثر إثارة وتشويقا لممارسة حقيقة المقناص كواقع والتي تعكس مهارة القناص القطري في طرق الصيد التقليدية الموروثة والمعروفة في الثقافة العربية والقطرية على وجه الخصوص، حيث تقتضي هذه البطولة مشاركة فرق من القناصين ويتكون كل فريق من 8 إلى 11 فردا ضمن الفريق الواحد.
وتدور أحداث المنافسة في منطقة القلايل التي تقع جنوب قطر ضمن محمية طبيعية ويترتب على المتسابقين صيد أكبر عدد من الطرائد وهي، الظبي والحبارى والكروان، وتقوم اللجنة المنظمة للبطولة بتوفير هذه الطرائد إذ يتم إطلاق ما سبق منها ضمن حدود المساحة المخصصة للمسابقة مع العلم أن جميع الطرائد معلمة بشرائح تحمل اسم بطولة القلايل.
ومن المعلوم أن هذه البطولة بما تحمله من مفاجآت سارة وجوائز قيمة إنما جاءت لتشجيع الشباب القطري على ممارسة رياضة الصيد والتي تعتبر إرثا عريقا متجذرا في هوية الحياة القطرية وما عرف عن أهل البلد، وحبهم وشغفهم لهذه الهواية وهذه العادة العربية الأصيلة التي تعتبر علامة بارزة في الثقافة العربية.
ومن منطلق الفكر التربوي لقيادة قطر لتعزيز وغرس هذه الهواية في نفوس أبنائها من باب الحرص على استدامة الموروث الشعبي الأصيل لتقدير الحياة الصحراوية وما تحتويه من المهارات والحنكة والذكاء القيادي، وفن التعايش مع البيئة الحقيقية للمقناص، والتعرف على أبجدياتها ومفرداتها الأدبية والمعرفية، فكانت هذه البطولة التي تمنح هذه التجربة الميدانية ضمن البيئة الحقيقية والاستمتاع بفضائل الصيد الجمة والمحاسن البينة وجلالة المكاسب وما يستفاد في النشاط والأريحية والمران، وانبعاث الشوق واتساع الخطوة وخفة الركاب لتعانق الحدث بأجوائه الشيقة والممتعة ما يدخل على النفس البهجة والسرور.