لا شك ان الكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني (على قلتهم في ظل زحام الاحداث على الصعيد الاقليمي)، أصبحوا شبه متيقنين من اندلاع الانتفاضة الثالثة في الارض المحتلة. ربما يكون ذلك صحيحا. جميعنا يعرف انه من اجل قيام ثورة في أي مكان وضد أي شيء يجب توافر شرطين رئيسيين، الاول سبب موضوعي وهو موجود بوجود الاحتلال على الارض. ولكن السبب الاهم هو الدافع الذاتي للفعل المقاوم. وهل هذا الدافع موجود؟ الجواب هو نعم، نعم ما زال الاحتلال موجودا والاستيطان أخذ منحى تصاعديا بشكل خطير، انسداد الافق السياسي وفقدان الفلسطيني البسيط لأمل حل ‘الدولتين’ وازدياد قمع الحريات في ظل السلطة ومن خلفها الاحتلال. في الفترة الاخيرة، وتحديدا بعد صفقة وفاء الاحرار وتبادل الاسرى مرورا بإضرابات الاسرى الفردية عن الطعام والاعتداءات المتكررة على القدس والمسجد الاقصى وأحداث المدينة مؤخرا، وانتهاء (في الوقت الراهن على الاقل) بمواجهات الخليل ونابلس ومخيم جنين وقتل الجندي في قلقيلية. وغيرها من الاحداث التي تلفت الانظار تجاه الفلسطيني الذي يبحث عن رد الاعتبار واستعادة ثقته بنفسه من جديد خاصة بعد حادثة الانقسام البغيض وتوقف جلسات المصالحة الوطنية وبالمقابل استئنافها مع الاحتلال. الفلسطيني اليوم بأمس الحاجة لتحقيق نصر ما حتى لو كان صغيرا وفي اي مجال، وهذا ما لاحظناه قبل عدة شهور والاحتفاء بالفنان محمد عساف. هناك من سيقول بان الظرف الاقليمي لا يشجع على اندلاع انتفاضة وان العرب مشغولين في امورهم الداخلية من المحيط الى الخليج مضيفا الى الوضع الداخلي الفلسطيني وحالة الانقسام السائدة. لتفنيد مثل ذاك ادعاء علينا النظر للوراء تحديدا عند انطلاق الثورة الفلسطينية منتصف الستــــينات والتي تحدت جميع المعطيات الاقليمية والدولية والداخلية احيانا وأطلقــــت رصاصـــة التحرير الاولى. اما بخصوص حالة البيت الداخلي الفلسطيني، فأنني على يقين بان الانقسام هو بين المستويات السياسية وأما على مستوى الشعب فلا يوجد حالة انقسام بقدر ما يوجد حالة توحد ووحدة في المعاناة والاضطهاد ووحدة الحلم والإنعتاق من الاحتلال. لو اندلعت انتفاضــــة ثالثة فإنها ستكون انتفاضة ضد الظلم والعدوان. ضد الاحتلال وممارساته، ضد تهــــويد القـــــدس وسرقة المسجد الاقصى. ضد الاجهزة الامنية الفلسطينية وقمعها وامتهان كرامة الفلسطيني المسلوبة اصلا من الاحتلال، انتفاضة ضد مشروع ‘الحل السلمي’ والمفاوضات التي لا يدري ما يجري فيها، وضد الانقسام بين اجزاء الوطن السليب وضد القيادات المفترضة لهذا الشعب من اليمين الى اقصى اليسار. نحن بأمس الحاجة لإثبات الذات الوطنية من جديد واستئصال كافة الاورام السياسية والاجتماعية والاقتصادية من الجسد الفلسطيني. قد تكون الانتفاضة سبيلنا الوحيد وفرصتنا الذهبية لنيل ذلك. قد أكون حالما، ولكنني افضل الحلم على العيش بواقع كئيب!