ممنوع المقارنة بين اليهود والبولنديين

حجم الخط
0

صدق متياوش مورفتسكي في الجزء الأول من تصريحه البائس الذي أصدره أمس. أجل، كان هناك يهود أيضا تعاونوا مع النازيين. قتل عدد منهم بأيدي إخوانهم اليهود. وشا آخرون بجيرانهم أو سلموهم للألمان. أيضا في أوساط الشعب اليهودي، سجلت ظواهر استخدام القسوة والتنكيل غير الإنسانية في فترة الكارثة.
لكن رئيس حكومة بولندا ليس مؤرخا، هو مصرفي بتكوينه، عُين في منصبه في ظروف سياسية معينة. ربما لديه ثقافة واسعة في المجال المالي، كما يبدو أنه يعرف كيف يسوق جيدا صفحة رسائل الحزب الحاكم، لكن لا شك، أنه لا يمتلك فهما أساسيا للتاريخ. اليهود الذين تعاونوا مع النازيين كانوا حفنة، لأنه في الغيتوات وفي غرف الغاز للمحارق طلب منهم ـ أحيانا من خلال الضغط وأحيانا كمحاولة يائسة لإنقاذ حياتهم وحياة أقاربهم ـ تنفيذ أعمال خيانة.
عدد البولنديين الذين تعاونوا مع النازيين كان أكبر بكثير. وبالتأكيد يمكن وصفه بظاهرة واسعة. إذ ضم شرائح مختلفة من المجتمع في بولندا. صحيح، أيضا أن البولنديين عانوا من الاحتلال النازي، فهم قتلوا واضطهدوا وتم تجويعهم واعتقلوا، ولكن معظمهم شاهدوا المعسكرات فقط من نوافذ بيوتهم. تعاونهم مع النازيين لم يتم بالإكراه، بل بإرادتهم ورغبتهم. لهذا السبب فإن كل محاولة للمقارنة بين اليهود والبولنديين في هذا السياق، هي عمل غير تاريخي ومشوه ويثير الغضب. ليست كل ظاهرة إنسانية يمكن مقارنتها. ليس كل تصرف لبني البشر يمكن مضاهاته. في التاريخ كما في الحياة نفسها، توجد أهمية كبيرة للخلفية والسياق.
في إشارته لوجود يهود تعاونوا مع النازيين، لم يأتِ رئيس حكومة بولندا بجديد. هذه الظاهرة الهامشية درست في السابق ووثقت في مرحلة متقدمة. لقد سبق، عام 1946 حيث كانت فظائع الكارثة ما زالت ذكرى غضة، أن يهودا اعترفوا بذلك : «علينا إظهار الشجاعة والإعلان بأن شعبنا لا يتكون فقط من ضحايا أبرياء.
مكانتنا في نظر العالم لن تتضرر إذا قمنا بتشخيص الخونة وبتقديمهم للمحاكمة»، هذا ما كتب في الصحيفة الناطقة باسم اللجنة المركزية ليهود بولندا في تلك السنة. في الأرشيفات وثقت أسماء أشخاص مثل الكابو من معسكر لاشوف أو العميل الذي كشف عن مخبأ يهود في غيتو كاركوف، الذين خانوا إخوتهم اليهود. تم تقديم عدد منهم للمحاكمة في حينه في محاكمات ميدانية.
بعد إنشاء دولة إسرائيل تم تقديم عشرات اليهود للمحاكمة بسبب التعاون مع النازيين. الشهادات التي جمعها إيتمار ليفي في كتابه «كابو في اللمبي» قاسية عند قراءتها أيضا بعد زمن طويل. فهي تتضمن القتل والتعذيب والإهانة والتنكيل الشديد ومهاجمات عنيفة. تم سجن عدد من المدانين. وكان ثمة شخص أدين بعقوبة الإعدام كذلك. لكن هذه العقوبة خففت. إلا أن كل مؤرخ عاقل يعترف أن الخلفية والظروف لهذا التعاون مع النازيين، مختلفة في جوهرها عن تلك التي دفعت أجزاء من الشعب البولندي لذبح جيرانهم اليهود.
تدعي حكومة بولندا في السنوات الأخيرة بأن البولنديين الذين اضطهدوا اليهود في الكارثة كانوا «مجرمين» عملوا في هامش المجتمع البولندي، ولا يمثلون الشعب الذي تجنّد بكل قوته لإنقاذ جيرانه اليهود رغم حقيقة أنه اضطهد هو نفسه من النازيين. دحض المؤرخ البولندي اليهودي البروفيسور يان غاربوفسكي، هذه الرواية وادعى في كتابه «صيد اليهود» أن ظاهرة البولنديين الذين طاردوا اليهود لم تكن هامشية وغير مهمة، بل أنها ظاهرة واسعة وشاملة. قام عدد منهم بذلك بسبب اللاسامية المتجذرة نتيجة غسل الأدمغة من قبل الكنيسة الكاثوليكية. وقام آخرون بذلك من أجل زجاجة بيرة.
يمكن تفسير تصريح رئيس حكومة بولندا البائس ليس كحقيقة تاريخية، بل كحقيقة سياسية واقعية. ليس هدفها التاريخ، بل الرغبة في إرضاء القاعدة الانتخابية لحكومته الحالية ـ جمهور وطني في أساسه. ينضم تصريحه هذا إلى تصريح أحد مستشاري الرئيس الذي قال إن معارضة إسرائيل للقانون الجديد تنبع من «مشاعر الذنب عن سلبية اليهود في الكارثة». تعمق هذه الأقوال الفجوة التي نشأت في العلاقة بين الشعبين، وتبعد احتمال الحوار والفهم. يجدر إبعاد السياسيين، مهما كانوا، عن الاشتغال في تشكيل التاريخ، والتركيز في تشكيل الحاضر والمستقبل.

هآرتس 18/2/2018

ممنوع المقارنة بين اليهود والبولنديين

عوفر أديرت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية