هاكم قصة أخرى تتجاوز الحدود وتمزق نياط القلب، عن المأساة الإنسانية لغزة. كل شيء مطوي فيها: السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، وبالأساس الزاوية الإنسانية لـ 11 سنة من الإغلاق. منذ ثلاثة أيام وهذه القصة تدور في مئات مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية. أما لإسرائيل، كما من المهم التشديد، (فيكاد) لا يوجد هذه المرة أي صلة مباشرة.
فقد ابتسم الحظ لأبناء عائلة بسام الأقرع من مخيم جباليا في شمال القطاع، وقبلت ابنتهم البكر لدراسة الطب في جامعة عين شمس في القاهرة. قلة من القطاع فقط يستوفون الشروط الأساسية للكلية القائمة جانب مستشفى كبير. في حالات قليلة فقط ينجحون في تحمل الأعباء المالية. ربة العائلة: دنيا إسماعيل، صحافية قديمة ومعروفة، انتظرت فتح معبر رفح، وخرجت مع ابنتها إلى مصر كي تساعدها في استعداداتها للدراسة. وفي ليل الخميس الماضي وقع عليهما نبأ مرير: بالعائلة، بسام ذو الـ 55، الذي بقي لرعاية ثلاثة الأطفال الصغار، أصيب بنوبة قلبية مفاجئة فمات. كان مديرا كبيرا ـ لعبة مصير ساخرة ـ في مركز حقوق الإنسان في غزة. وأدخله نشاطه المتفاني إلى السجن في إسرائيل وخلق له مواجهات غير بسيطة مع أجهزة حماس.
ما الذي لم تفعله الأرملة حديثة العهد كي يفتحوا لها حاجز رفح، ويدعوها تشارك في الجنازة وترعى أيتامها؟ لم يجدِ نفعا الاستجداء والبكاء أمام الجنود المصريين والشرطة الفلسطينية. فالحدود مغلقة تماما. والأجهزة مسدودة. عائلة منقسمة وقعت بين ثلاثة كراسي: معبر الحدود في رفح، الذي حصل نهاية الأسبوع على لقب «حاجز العار»، يسيطر عليه المصريون من أحد جانبيه وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية من الجانب الآخر، ولكن، على من يريد الانتقال من جانب إلى آخر بأن يتزود أيضا بوثيقة موافقة موقعة من أجهزة حماس، صاحبة السيادة في غزة. مصر مشغولة الآن في مناورة عسكرية في شمال سيناء. الشرطة الفلسطينية غارقة في معركة لوي أذرع مع حماس، والأجهزة في القطاع لديها شؤون أكثر إلحاحا. وإذ ضاقت أمامها الأحوال، استنجدت دنيا بالرئيس المصري السيسي لمساعدتها في العودة إلى بيتها. هذا أيضا لم يجد نفعا.
أربع ساعات سفر فقط، تفصل بين القاهرة وغزة. وها هي، لأول مرة، تؤبن إمراة فلسطينية زوجها في بوست تقشعر له الأبدان على الفيسبوك. كلمة واحدة، أمر واحد، مكالمة واحدة ـ كانت تكفي لفتح بوابات المعبر. وظهر يوم الجمعة رفعت دنيا طلبا خاصا لآلاف متابعيها في القطاع: اذهبوا لتبكوا بدلا مني، صوروا الجنازة وأنا أتابعكم عبر الخلوي، هدؤوا روع أبنائي المفزوعين، وعِدوهم بأني سأعود، إن شاء الله، عندما يذوب الثلج في القلوب المجمدة.
دنيا عالقة في القاهرة. لا أحد يمكنه أن يتعهد متى سيفتح معبر رفح. مجموعة أصدقاء في مصر، أثرت قصتها في قلوبهم، فأقاموا لها خيمة عزاء. بالمقابل، أعلن في الشبكات الاجتماعية العشرات بأنهم سيقاطعون الحدث كنوع من الاحتجاج الغاضب ضد 11 سنة إغلاق في القطاع والانقسام في المعسكر الفلسطيني.
تنفطر قلوبهم على دنيا وأيتامها، ويتمثل الغضب الكبير بكلمات لاذعة موجهة للرئيس المصري وللرئيس الفلسطيني ولزعماء حماس. قلنا إن ليس لإسرائيل هذه المرة صلة؟ كان يمكن لدينا أن تعرض مصابها على آذان إسرائيلية، وتصعد إلى طائرة في القاهرة، لتطير إلى مطار بن غوريون وتعبر إلى غزة. أغلب الظن، أنها لم تفكر بالمسار الالتفافي، كما ليس مؤكدا أنها كانت ستنجح في اجتياز الحواجز البيروقراطية والتنسيقات الأمنية. إذ إن الحادثة الخطيرة أمس، بانفجار عبوة ناسفة وإصابة جنود الجيش الإسرائيلي، والرد الفوري والردود التي من المتوقع أن تأتي، لا بد أنها لن تساعد دنيا على شق طريقها إلى جباليا. الحساب الذي لم يغلق قبل أربع سنوات، فُتح من جديد، والطريقة التي تم فيها تفجير العبوة تدل على تخطيط مسبق.
ستواصل دنيا البكاء في القاهرة، وسينوح أطفالها في غزة. دفن الأب، رب الأسرة نهاية الأسبوع في جنازة جماعية، والأشرطة التي تتناقلها الشبكات الاجتماعية تروي قصة أخرى عن مشكلة لا يبدو حلها ظاهرا للعيان.
يديعوت 18/2/2018
سمدار بيري