بيتُ جدّي

حجم الخط
4

عندما اختار جدي قطعة من الأرض خارج سور المدينة ليبني عليها بيتاً له ولعائلته لم يكن يحيط بتلك الأرض سوى أراضٍ بور متروكة من قبل أصحابها من دون زراعةٍ أو بناء. كانت رؤية جدي أن المدينة حكماً سوف تتوسع ولن تبقى محصورة ضمن أبوابها السبعة. كنتُ في السادسة من عمري عندما حُملَ جدي على نعش من غرفته في البيت، ليسكن منزلاً آخر كما قالت لي والدتي عندما سألتها عن سبب رحيله:
ـ صار طاعناً في السن ولم يعد قادراً على الحركة وعلى احتمال ضجيج منزلنا، لهذا انتقل للسكن في منزل آخر وسوف نزوره في الأعياد، فقلت بصوت خافت يملؤه الإعجاب والتعجب: لا.. ليس هذا هو السبب وإنما لأن جدي يحبّ البيوت الجديدة!
خلال عقدين من بعد رحيله كانت نبوءة جدي تتحقق وأصبح قصره محاطاً بمدينة واسعة جداً تعجّ بالأبنية السكنية والأسواق والشوارع والبشر والسيارات؛ لكنني أجزم أن نبوءته لم تكن تتضمن أن بيته وهذا البنيان الواسع سوف يصبحان في يوم مقبل خراباً والسماء من فوقهما ستكون مكسوة بغيمة سوداء. كان لحديقة بيت جدّي ثلاثة أبواب حديدية كبيرة، كل واحد منها يؤدي إلى حارة أخرى من الحارات الجديدة التي بنيت في ما بعد.. الباب الشمالي يطل على ما سميّ بشارع الكورنيش الذي يصل أحياء المدينة شرقها مع غربها، والباب المقابل له من الجهة القبلية الجنوبية يشرف على سوق المدينة الجديد. الباب الثالث يقع إلى جهة الغرب حيث توجد المساحة الأكبر من الحديقة وعند جدارها زرعت أشجار الأكاسيا ذات الرائحة الجميلة، وفي هذا الركن جعل جدي مجلسه الصيفي لاستقبال زواره. أما الباب الرئيسي فكان من جهة الشرق، ويفتح على عتبة واسعة من الداخل، حيث تتوزع منها ممرات إلى بقية الغرف، ويطلّ مباشرة على شارع ضيق صار في ما بعد مليئاً بالأبنية الحديثة.
في وصية شفوية لأبنائه قبل وفاته، طلب جدي منهم أن يستثمروا البيت بما يعود بالفائدة المادية لهم في جزء من الريع، وأن يكون الجزء الآخر تبرعاً على روحه لإحدى الجمعيات الخيرية. لكنّ الذي حصل أن أحداً منهم لم يهتمّ جدياً بتنفيذ الوصية وبقيّ البيت مغلقاً حتى صارت جدرانه باردة جداً وقد حفرَ العفن ثقوباً كبيرة بها، الأمر الذي جعل اليمام يتخذ منها أعشاشاً له. كان أولاد الحيّ الصغار يخترعون قصصاً مثيرة للرعب عن المنزل، «منزل مهجور يسكنه شبح لرجلٍ طاعن في السن ويزوره أصدقاؤه من الجنّ كلّ يومٍ بعد مغيب الشمس». هذه القصة وغيرها جعلت هاجساً مرعباً يتملكني كلما مررت قبالة البيت عندما كنتُ طفلة، وبعد سنوات عندما عرفت بوصية جدي صار يلاحقني هاجس مرعب آخر، فلم أجرؤ مرّة على عبور أيّ من أبوابه الأربعة إلى الداخل، يُخيل إليّ أن إحدى اليمامات قد تقمصتها روح جدي وسوف تهجم عليّ مع الأخريات وتنقر في جسدي حتى الموت بسبب عدم تنفيذ وصيته، كنتُ اعتقدُ أن هذا الهاجس هو رسالة من جدي يتوجب عليّ أن أوصلها لورثته؛ غير أنهم كانوا يجعلون مما أقوله سيرة للضحك كلما اجتمعنا،. لكن بعد إصراري على وجوب تنفيذ الوصية أوكلوا إليّ المهمة ووضعوا مفتاح البيت في عهدتي. قصة الروح التي تسكن البيت لم تكن تقتصر على مخيلات الأطفال، بل كان بعض كبار السن يتحدثون في الأمر ذاته، ويروي أحد العجائز بأنه صاحب يوماً مستشرقاً وكاتباً فرنسياً في جولة في المدينة لتعريفه على معالمها وصدف أن مرّا قبالة البيت فاستغرب الفرنسيُّ لما رآه مبنياً على النمط المعماري للقصور الفرنسية القديمة، فسأله سؤالاً عارضاً عمن يسكنه، ويقول أنه أجابه مازحاً:
ـ هذا البيت تسكنه الأرواح.
وينهي روايته:
ـ بعد أشهر من زيارته وصلني منه طرد لما فتحته وجدت بداخله نسخة هدية من رواية كتبها عن المدينة ويخص بجزء كبير منها الحديث عن البيت والأرواح التي تسكنه! كان يقول جملته الأخيرة باعتزاز وفخر كما لو أنه كان هو مالك هذا البيت أو كاتب تلك الرواية! عندما استلمت مهمة تنفيذ الوصية، بدأت فوراً بإجراء بعض الإصلاحات والترميمات في المنزل كما وضعت عدة خطط لاستثماره على أن يتفق الورثة على إحداها. لكن حدثّاً لم يكن متوقعا جعل المشروع يتوقف. عمت المدينة تظاهرات واسعة الطيف تطالب الحكومة بإجراء إصلاحات شاملة..أمضيتُ الأشهر الثلاثة الأولى من المظاهرات أراقبُ تطور الأوضاع في الشارع وكنتُ كل يومٍ أنامُ على أملِ أن تلبى المطالب، وأن تعود الحياة لطبيعتها، لكنّ الأوضاع كانت يوماً بعد يوم تزداد سوءاً وتتأزم، اعتقالات عشوائية، حملات تفتيش للمنازل.. حتى سقط أولُ شهيد من المتظاهرين إثر طلقة في رأسه. أيامٌ امتلأت بالرعب، غير أن تحركات الشارع جعلتني أشعر بأنني امرأة عاشت الجهل بكامل رفاهيته، فعدتُ إلى مكتبة جدي، وبدأت في استعارة كتب التاريخ لقراءته من جديد، كنتُ بحاجة ماسة لأن تستعيد ذاكرتي الجواب على سؤالٍ يلحُ عليها: ما هي أسباب سقوط الدول؟
بدأت القراءة من فتنة مقتل عثمان.. مقتل علي.. سقوط الدولة الأموية.. سقوط العباسيين.. سقوط الفاطميين.. سقوط الأندلس.. الحروب الصليبية.. سقوط الدولة العثمانية.. وعد بلفور.. سايكس بيكو.. كان تاريخ الهزائم يحكم قبضته على قلبي كلّما قرأت صفحة منه، حتى جاء يومٌ وسقطت قذيفة الشيلكا قريباً من باب البيت الجنوبي، وسقط معها قلبي فأسرعتُ للهربِ من التاريخ ومن بيت جدي ومن الأشلاء التي انتشرت في الشارع. كنتُ وبعض الصديقات والأصدقاء نجتمع يومياً بعد صلاة الظهر في منزل إحدانا نتداول الأخبار، من استشهد بالأمس، التعزية اليوم في بيت الشهيد فلان، وضعً حاجز تفتيش عند مدخل حي كذا، والدة الشهيد فلان أطلقت بالأمس زغرودة عندما أخرجوا جثمان ابنها من البيت وصرخت بنا زغردوا معي للعريس، قال المعارض الفلاني، شاهد عيان حكى عما جرى أثناء المظاهرة.
حتى جاء يومٌ تقطعت به أوصال المدينة بالحواجز وتوقفت مؤسساتها عن العمل وحوصرت المدينة القديمة بالدبابات وبدأ القصف الصاروخي عليها.
نزح الأهالي من تلك الأحياء إلى حاراتٍ أكثر أمناً وامتلأت بهم المدارس والجوامع والكنائس وفتح بعض الناس بيوتهم لأقاربهم، وكثر منهم هربوا إلى خارج البلاد. أما بيت جدي فقد خلع القهر أبواب حديقته لتحتمي فيه خمس عائلات هربت من الموت إلى مصيرها المجهول. مرّ عامٌ كامل ومضت بعده عدة أشهر وأخبارُ العالم ممتلئة بنا؛ بعدد موتانا وبالقذائف وكل أنواع الأسلحة التي تُهدر خصيصاً لقتلنا نحن الوباء المسالم الذي يحتمي بجدران بيته وصار أقصى حلمه أن يحصل على رغيف خبز وكأس من الشاي غير المحلى، وأجمل أنواع الترفيه لدينا أن نشبك مع وسائل التواصل ابتسامة ودمعة في حال وجدنا إليها سبيلا. في الشهر السابع من السنة التي تلت استلامي مفتاح بيت جدي؛ أمسكته بيدي وذهبت هناك بعد أن وصلني خبرٌ بأنّ برميلاً متفجراً قد اخترق سقفه. وجدت البيت لكني لم أجد العائلات التي سكنته، ولا أبوابه الأربعة.. لقد استبدلت بالحواجز. اقتربت من بابه الرئيسي ناحية الشرق فأوقفني شاب عشرينيٌ من جيش النظام
ـ إلى أين.. ممنوع الدخول.
قلت له : هذا بيتي
ضحك مني ساخراً: بيتكِ لم يعد بيتك.. هاتي هويتك..
أعطيته الهوية ورجوته الدخول
قال موجهاً بارودته إلى صدري:
ـ ممنوع.. البيت محاصرٌ.. تسكنه الأشباح!
تركته وذهبت باتجاه باب الحديقة الشمالي
طلبت من العسكري أن يسمح لي بالدخول لكنّ جوابه كان كما الأول: ممنوع.
لمحتُ جدي يتجولُ في الحديقة..
ـ هذا جدي هناك.. وعبرت الحاجز بسرعة نحو الداخل، شدني من قميصي وهو يصرخ: قلت لك ممنوع.. ممنوع.. لا يوجد أحد في الداخل.
ـ أرجوك فقط أريد أن أعيد مفتاح البيت لجدي وأخرج.. أنظر إليه إنه ينتظرني هناك.
أفلتّ من قبضة العسكري، وركضت ناحية جدي.. لكن لما وصلت إليه كان قد اختفى. وقفت مذهولة والمفتاح في يدي.. والعساكر طوقتني وهي توجه سلاحها نحوي.. جلست على الأرض أبكي وبدأت أحفر في التراب حول شجرة الأكاسيا
دفنتُ المفتاح.. وشعرت بنشوة النصر تملأ جسدي. لا أعرف ما الذي حصل بعد ذلك.. هل كبلوني وأخذوني للسجن وعذبتُ وبعدها متّ.. أو أنهم أطلقوا عليّ رصاصهم ومتُّ ودفنت عند شجرة الأكاسيا قرب المفتاح في حديقة بيت جدي.

 

سوريا

ماسه الموصلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية