في رثاء شقيقي أحمد.. شاعر الألم والأمل

لن أتمكن للأسبوع الثاني من استكمال موضوع المقاومة، الذي بدأته في 14/9/2013، لعذر قهري؛ هو رحيل شقيقي الكاتب والشاعر أحمد عبد الحكم دياب، وسأفرد سطورا هذا الأسبوع لبعض ظروفه ومعاناته، وبداية أنا لا أبكيه لصلة دم أو رحم فقط، إنما أبكي فيه غياب إنسان مثقف واسع الاطلاع وشاعر مبدع؛ ترك بصمات واضحة على كل من عرفه وتعامل معه.
كان أحمد خدوما ومتسامحا مع الآخرين، وإن تساهل مع نفسه كثيرا، فحمُلها فوق ما تطيق وتقدر، وملك القدرة في بناء علاقات خاصة وعامة؛ أساسها الثقة والمودة، ولا أنسى لحظة اتصال د. حامد متولي الأستاذ بجامعة القاهرة فور علمه بخبر وفاته، وهو يقول متأثرا أنه فقد أخا لا يعوض، وكان الإثنان على تواصل دائم ويومي.. همهما شؤون وشجون النفس والوطن في المحنة الراهنة. وكانت صدمة الكبار والصغار’لفراقه شديدة، فالدكتور يحيى القزاز لم يصدق الخبر، ويوسف السبعيني المحامي الكبير لم يتوقف عن ترديد جملة ‘أحمد خدنا على خوانة’.. وكم كانت رسالة د. محمد المغازي الأخ والصديق الحميم من ألمانيا مؤثرة للغاية.. والشاب مايكل عزت يناجيه على ‘الفيسبوك’: ‘كنت أبا حنونا وكنت معلما فاضلا وأخا وصديقا وشاعرا عظيما وصحافيا مرموقا؛ كانت قراراتك حكيمة، ومحبتك غالبة، وطريقك مستنيرا وحياتك كلها تعاليم.. في جنة الخلد ياعم أحمد’، ولو أحصيت سيل المشاعر الصادقة التي أحاطتنا نحن أسرته من أرجاء مصر والوطن العربي والمهجر؛ من مسؤولين كبار، ووزراء وسفراء حاليين وسابقين، ومنتجين وبسطاء طيبين، لو أحصيت ذلك ما استطعت.
لا أذكر أن أحمد أساء لأحد، وليس غريبا أن ينعيه من هم في سن أولاده، فيصفونه بالأب تارة وبالصديق تارة أخرى. أما رسالة صديقه محمد عبعوب جاءت لتلخص معاناة الفقيد في سنوات عمله الأخيرة في ليبيا، وأوقعته تحت ضغط نفسي شديد أضيف إليه ألم بدني مبرح بعد أن أصيب بنزيف حاد عقب شهور قليلة من طرده المهين من ليبيا. تقول الرسالة: ‘انتقل الى رحمة الله تعالى زميلنا وأخونا الاستاذ والشاعر والصحافي أحمد عبد الحكم دياب، الذي ربطتنا به زمالة وأخوة طيلة فترة وجوده بليبيا، قبل أن يتنكر له من خدم في ظلهم ويسلبوه حقوقه وحقوق أطفاله، ويغادر ليبيا وفي نفسه حسرة مظلوم ممن اعتقد في يوم ما أنهم سيكافئونه ويقدرون ما قدمه طيلة فترة وجوده بينهم’.
ورسالة عبعوب تلخص ما تعرض له الفقيد من قهر وظلم على يد زبانية القهر، وكانوا لا يعرفون الرحمة ولا المروءة؛ فانقضوا عليه وعلى أسرته في يوم من أيام يوليو/ تموز 2003. ووقتها كان قد مر على وجوده في ليبيا أكثر من ربع قرن؛ ينفذون أمرا بطرده من مسكنه فورا، ورغم إبراز المستندات الدالة على’حقه القانوني طوال عشرين عاما من الاستقرار بالمسكن. وبرروا الطرد بحاجة مواطن ليبي قالوا أنه ساهم في تحرير افريقيا وحارب في تشاد وأوغندا، وهو أحق بالمسكن منه، وصرح بعضهم ‘أن الموضوع أكبر من السكن أو اللجنة التي أوكلت للشرطة وقوات الأمن الشعبي والحرس البلدي مهمة الطرد بالقوة’، وكانت الشرطة القضائية قد رفضت تحمل مسؤولية تنفيذ الأمر لانتفاء قانونيته.
أخرجوآ الفقيد عنوة وزوجته وأطفاله بملابسهم المنزلية، ولم يسمحوا لهم بتغييرها، أو حمل أي أمتعة أو منقولات أو حلى، أو وثائق أو متعلقات شخصية وعائلية، فضلا عن مصادرة سيارته ومكتبته، وتضم أكثر من ألفي عنوان، ومُنع من إخراج مخطوطات لثلاثة كتب له معدة للنشر، وحالوا بينه وبين مستندات وشهادات أطفاله.
ونقل الفقيد في مذكرة لخص فيها حوارا دار مع ممثل ‘أمانة العدل’ المصاحب للزبانية يقول: ‘كفاية استعمار مصري، يا أخي’روحوا بلادكم وفِكونا (خلصونا) من سوّكم (مصائبكم)’، وأردف أن شخصا آخر كان موجودا قال ‘إذا كنت عابي (معتمد) إنك بتخدم مع وِلْد الخويلدي فاحنا معانا وِلْد العقيد’، ولوح بملف يحمله: ‘أهي توقيعات أحمد رمضان (مدير مكتب القذافي) وخلي وِلْد الخويلدي يفيدك’، وكل ذنب أحمد أنه عمل متطوعا بالمنظمة العالمية للسلم والرعاية والإغاثة، وكان يرأسها خالد الخويلدي الحميدي، وهذا أثار حفيظة الساعدي ابن معمر القذافي المدلل فانتقم من ‘وِلْد الخويلدي’ في شخص أحمد، ولم يكن الفقيد على علم بصراعات ‘أبناء الحكام’ في ليبيا، وثبت أن صاحب قرار الطرد هو ابن القذافي، وحين سئل أحدهم رد بالإيجاب.
وكان أحمد يعيش في ليبيا منذ سنة 1975، عمل خلالها في ‘منظمة الأحزاب الاشتراكية لحوض البحر المتوسط’، ومقرها طرابلس، وعقب تجميد المنظمة عام 1999 انتقل للعمل باحثا في ‘المركز الإفريقي’للبحث التطبيقي والتدريب في مجال الإنماء الاجتماعي’، التابع للجنة الاقتصادية لإفريقيا، المنبثقة عن الأمم المتحدة، ولم يعرف عنه أنه خرج عن مقتضيات وظيفته أو ارتكب خطأً يحسب عليه.
وبعد عودة أحمد إلى مصر أبلغه أصدقاؤه أن جهودهم أثمرت، وصدر قرار أمين اللجنة الشعبية لمدينة طرابلس بإلغاء قرار الطرد وتمكينه من استلام متعلقاته وأوراق أولاده وسيارته، إلا أن القرار ألغي وشُطب من سجل اللجنة”بناء على تعليمات عليا’ حسب قولهم؛ بعد أقل من خمس ساعات من صدوره!!.
ويؤكد لنا علماء النفس أن الصحة النفسية تؤثر في الصحة البدنية إيجابا وسلبا، وإذا صحت النفس صح البدن وقويت المناعة، وإذا اعتلت النفس مرض الجسد وضعفت المناعة، ورغم أن اليأس بدأ يتسلل إلى نفس الفقيد وصار أقل إقبالا على الحياة، إلا أنه ظل قوي النفس عزيزا ودودا ومتسامحا، ووجد في احتضان باقي أشقائه له ولأولاده تخفيفا من آثار ما يعاني من قهر نفسي تعرض له على يد الزبانية.
ونجد أن إنسانا حمل هذا النقاء يفضل اللجوء للطرق الودية في مخاطبة مسؤولين ودبلوماسيين كبار، وتم الاتصال بمكتب العلاقات (السفارة) الليبية بالقاهرة، ولم يزد طلبه عن استرداد حقوقه المصادرة وتعويض مناسب عن فقدان العمل وعما أصابه هو وزوجته وأولاده من ضرر مادي وأدبي، ورد كل ما تم الاستيلاء عليه بالقوة دون وجه حق.
وقد وافقته رحمه الله على مواصلة الجهود الودية، بسبب طول حبال الإجراءات القانونية والحكومية، ومن جانبي عملت على مساعدته قدر المستطاع، واستعنت بصديق حدد لي موعدا مع أحمد قذاف الدم، في محاولة لوضع حد لذلك الاستنزاف المادي والنفسي، وذهبت إلى مكتبه بالقاهرة في الموعد المحدد، لكنه اعتذر عن اللقاء.
وانتهزت فرصة تعيين صديق سفيرا في ‘مكتب العلاقات المصرية الليبية’، وذهبت إليه أحمل ملفا بالمشكلة، وبعد ما اطلع عليه قال: أنتم تأخرتم كثيرا؛ وسبق لي أن شرحت له أن التأخير كان لإتاحة الفرصة أمام الجهود الودية، وأن هذه قضايا لا تسقط بالتقادم، وأحالني إلى القنصل العام، الذي وعد بمكاتبة المسؤولين في طرابلس وانتظار الرد، وبدت طريقة أخرى للتسويف ممن كنت أتصورهم منصفين فيضعون حدا لمعاناة الفقيد الطويلة؛ بحكم ما لديهم من صلاحيات، وما تحت أيديهم من مخصصات، وما يتمتعون من قدرة على’اتخاذ القرار.
ومع استمرار التعسف والتسويف والمماطلة لجأ الفقيد إلى القانون بعد خمس سنوات من الجهد المضني، ولإثبات حسن النية وتجنبا لسوء الفهم اقترحت على الفقيد توكيل محام شهير وصديق شخصي لمعمر القذافي، وذهبنا إليه، ولفت نظرنا أنه أسند القضية إلى محام ‘من الباطن’، ومع ذلك سددنا الأتعاب المطلوبة فورا؛ على أن تُخطر الجهات الليبية المعنية عن طريق ممثليها في القاهرة، وانتظرنا شهورا أخرى ‘دون موافاتنا بالخطوات التي اتخذها المحامي، وبعد طول انتظار ذهبنا للمحامي الشهير نستعلم عما تم، ولم نجد ردا، وتحت الضغط أحضر محامي ‘الباطن’، الذي ألقى على مسامعنا بقنبلة مدوية؛ معلنا أنه قام بشطب القضية، وكان ذلك محل دهشتنا..
فكيف لمحام أن يقدم على اتخاذ هذه الخطوة دون رأي موكله أو علمه، ومعنى هذا أن محامي ‘الباطن’ تواطأ مع الخصم القانوني ضد موكله، وهو جرم ليس له من تفسير إلا أنه باع موكله للخصم، وإن لم يكن الثمن مغريا ما وضع سمعته كمحامي على المحك!!.
وهذا تضافرت جهود من كنا نحسبهم أصدقاء مع الخصوم ضد الفقيد، وجميعهم افتقد المروءة، وخافوا من بطش الساعدي ‘وِلْد القذافي’. وحتى وفاته لم يجد أحمد من ينصفه أو يرحمه، ووجد عزاءه في الشعر يبثه شكواه ومعاناته وآلامه.
ومات مظلوما له دين في أعناقنا وجب علينا سداده.
وكشف شعره في سنواته’الأخيرة ما يعتمل في صدره. وفي قصيدة ‘مدد يا أم هاشم’ بالعامية.. (وأم هاشم هي السيدة زينب بنت على رضي الله عنهما)..يقول:
مدد يا أم هاشم..
يا أخت الحسين خوفي ملاني
وعشت في خوفي أداري وأعاني
مانيش عارف اللى ها ييجي علينا
ولا أيه هنعمل وتحصد أيدينا
خايف ع العيال.. بنات أو ولاد
خايف ع التراب.. خايف ع البلاد
أيديا بتِرعِش ورمشي يرف
وقدميبتتقل وريقي يجف
ومر المرارة بابلع وأسف
لأن اللي جاي مجهول وغامض.
وعاد’إليه الأمل من جديد مع الثورة، وأضحى ‘ميدان التحرير’ ملهمه وملاذه.
يقول في قصيدة ‘اللي بنى مصر’:
اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني
عجن عجينها بخفة دم وبسكر
وجاب العسل بشتيلي والسمن م الأقصر
اللي بنى مصر لا يعرف فتنة ولا طايفة
وقام صروحها بإيد صبارة مش خايفة
اللي بنى مصر شايل مسطرين وقلم
وشايل كتاب تاريخ ووردة ويا العلم
وعينه باصه ع البعيد شايفة
رحمك الله يا شقيقي وحبيبي أحمد رحمة واسعة، وجُزيت بحجم ما عنيت وتحملت وأعطيت.. وحتى ألحق بك.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية