إذا كان لا يزال لدى أحد ما شكوك، فإن الأحداث الأخيرة في الشمال جسدت للجميع بأن روسيا تشكل جهة سائدة؛ لاعبا لا بديل عنه، قريبا من الولايات المتحدة في نفوذه في الشرق الأوسط. يمكن لموسكو اليوم أن تعطي «ضوءا أخضر» لخطوات تصعيدية: كإطلاق طائرة غير مأهولة إيرانية وإطلاق الصواريخ السورية، من خلال عدم منع هذه الخطوات، وأن تعطي «ضوءا أخضر» لخطوات أخرى، مثل النية الإسرائيلية لتشديد قوة الرد على تلك الحادثة. ولعل الأهم من كل شيء، هو أن موسكو تبث «ضوءا برتقاليا» يدخل اللاعبين، بمن فيهم إسرائيل، في وضع من عدم اليقين بالنسبة لدوافعها الاستراتيجية، والشكل العملي الذي تحقق فيه هذه الدوافع.
توسع هذه الإشارات الذكية والمتغيرة والمتلاعبة، مجال المناورة الجغرافي السياسي لروسيا وتأثيرها على اللاعبين في المنطقة.
بينما يحاول خبراء إستراتيجيون في البلاد وفي العالم حل لغز سلوك روسيا، ينشغل أصحاب القرار في إسرائيل بمسألة في ما إن كانت نواياها وقدراتها تقلص أم توسع حرية عمل الجيش الإسرائيلي.
الجواب عن هذا السؤال منوط بسياق وبعد محددين، ويستوجب استيضاحا وتحقيقا لجوهر الأمر. ولكن يمكن الإشارة إلى ثلاثة مبادئ عامة توجّه سلوك روسيا الاستراتيجي وخطواتها العملية في المنطقة:
٭ حفظ التوتر المضبوط؛ موسكو معنية باستمرار التوتر في المنطقة، بما في ذلك بين إسرائيل وجيرانها، بحيث يسمح لها ذلك باستخلاص المكاسب السياسية وتحقيق أهدافها الإقليمية والعالمية من خلال إجراءات الوساطة والتسوية.
بالنسبة لها، فإن شدة المواجهة يجب أن تكون بما يكفي من الارتفاع كي تسمح بأزمات مُبادر إليها وصدامات بين اللاعبين، لكن ليست بارتفاع أكثر مما ينبغي كي تمس الاستقرار وتخلق فوضى إقليمية.
تتطلع موسكو إلى التحكم بالتصعيد وتقليص مستوى اللهيب لئلا تعرض للخطر ذخائرها الإقليمية.
٭ وساطة تعمق الارتباط: تأخذ موسكو على عاتقها مهمة الوسيط، الذي بوسعه تصعيد أو تثبيت السياقات. ومن أجل السماح بذلك، فهي تطور قدرة وصول مميزة لجملة من اللاعبين الإقليميين الذين ينتمون إلى معسكرات مختلفة؛ التفوق التنافسي البارز لديها حيال الولايات المتحدة. وهي تفضل ألا تكون للاعبين أفضلية واضحة الواحد ضد الآخر، وألا يكونوا أقوياء أو ضعفاء أكثر مما ينبغي كي يغيروا الوضع القائم. في كل تطور سياسي أو حادثة عسكرية تتطلع روسيا لأن تجسد للأطراف قيود قوتهم وارتباطهم بها، ولا سيما عند الحاجة إلى آلية لإنهاء المعركة.
٭ الاكتفاء المعقول. في وقت تعظيم تدخلها، إلى درجة التدخل العسكري، تستوعب روسيا بأن خطرها الأكبر يكمن في الاستثمار الزائد، الذي قد يحدث نتاجا سلبيا ويؤدي إلى غرق استراتيجي. وبالتالي تبحث موسكو بشكل دائم عن «المدى الذهبي» بين استثمار الطاقة الاستراتيجية الفائضة، وبين الاستخدام المقلِل لهذه الطاقة. وفي السياق السوري مثلا حرصت موسكو على تقليل المشاركة المباشرة واستخدام القوة بشكل يسمح لها تحقيق أهدافها من دون أن تغرق في وحل الحرب. «المدى الذهبي» هذا، بين استثمار أقل مما ينبغي وأكثر مما ينبغي من القوة السياسية/ العسكرية، هو ديناميكي، وموسكو تغيره وفقا للظروف.
يطرح الخبراء وأصحاب القرار سؤالان كبيران: هل روسيا قوة عظمى؟ وكيف تنظر إلى منافسيها وحلفائها في الشرق الأوسط؟ يقدم اقتباس منسوب لسياسيين أوروبيين مادة للتفكير في السؤال الأول: «ليست روسيا ضعيفة في أي مرة كما تعد، لكنها أيضا ليست قوية كما تبدو». اقتباس آخر، كفيل بتوفير فكرة للسؤال الثاني، وهو اقتباس منسوب للقيصر ألكسندر الثالث، وهو شخصية تعجِب الرئيس بوتين: «لروسيا حليفان فقط ؛ جيشها وأسطولها».
في هذه الأيام ثمة من يتحدث عن «عودة الدب الروسي». لعله من الأصح الإدعاء بأن الحديث لا يدور عن عودة روسيا إلى الشرق الأوسط، فهي لم تغادر الساحة أبدا، بل عن إعادة بناء مكانتها في المنطقة إلى ذروة العهد ما بعد السوفياتي.
ديما أدامسكي
٭ بروفيسور محاضر وباحث في المركز متعدد المجالات في هرتسيليا
يديعوت 20/2/2018