■ استبق المخرج غييرمو دل تورو جميع المعلّقين بوصفه فيلمه «شكل الماء» بحكاية خرافية لمجتمع مضطرب. وهي الحكاية الخرافية نفسها تستعاد من زمن الحكايات القديم، حيث الأنسي والجني يلتقيان متخطّيين شروط مجيء كل منهما من عالمه.
أما في السينما فنتذكّر، فيما نشاهد مخلوق «شكل الماء» يخرج من الماء، مخلوقَ فيلم «اللاغون الأسود» الذي ظهر في الخمسينيات. هي أفلام تحوّلت بعد ذلك إلى سلسلة «الجميلة والوحش». الوحش المختبئ والمتوحّد عادة، الذي تكمن رقّة وعاطفة فوق بشرية في داخل شكله الوحشيّ الغريب.
وحش دل تورو معتقل منذ بداية الفيلم. جيء به في حاوية مائية من غابات أمازون الممطرة، إبان الحرب الباردة، إلى بالتيمور الأمريكية لإجراء الاختبارات العلمية عليه. كان ذلك في زمن التنازع الأمريكي الروسي على غزو الفضاء، وقد نُقل المخلوق إلى أحد المراكز السرية لوكالة الفضاء الأمريكية. لكن هذا لم يحل دون معرفة الروس بوجوده، وهم لذلك زرعوا أحد عملائهم في ذاك المركز ليكون العالِم المكلّف، من قبل الأمريكيين أصلا، بإجراء الأبحاث على الوحش. وهم، الأمريكيون والروس، لن يلبثوا أن يصلوا بنزاعهم إلى أن يحوّلوا نزاعهم على امتلاك ذلك المخلوق إلى مجابهة بوليسية عادية يقتل فيها الروس عالِمَهم ثم يقتل الأمريكيون الروس، هكذا في ما يمثّل إدانة لكل ما هو سياسي، لدى الطرفين.
لكن تحديد الزمن (الحرب الباردة، أو في عام 1962 تحديدا) والمكان (بالتيمور الأمريكية) غايته إدخال الوحش وحكايته في نسيج العيش الواقعي، ليكون وجوده قابلا للتصديق، وحقيقيا. وهذا التصديق انطبق على مشاهدي الفيلم جميعهم، إذ لم ينج أي منهم من لحظات التوتّر الشديدة التي رافقت تطوّر حبكة الفيلم، أي أن هؤلاء، المشاهدين، كانوا منتصرين للوحش وحبيبته إليزا في معركتهما ضدّ الأمريكي القاسي والبشع، على مثل ما يمكن أن ينتصروا لحرب حقيقية تدور بين قوّتين بشريتين.
وهذا يظهر إلى أيّ حدّ ما زال مؤثرا فينا الإرث الخرافي الذي نحفظه من ثقافات سبقت، وما يفسّر بقاء سينما الجميلة والوحش راهنة وحية. لكنها هنا، في فيلم دل تورو، تؤكّد إلى أي حدّ هو سيئ العالم الواقعي. النموذج الممثّل للعالم الأمريكي الحديث، الداعي إلى القوّة الإيجابية، الموظّف العالي الرتبة ستريكلاند، الذي عهدت إليه الإدارة العسكرية مهمة العناية بالوحش، وتعذيبه تاليا، يظهر في الصورة التي يكون فيها هو نفسه، الوحش الحقيقي، المستلذ بالتعذيب.
أما القيم التي ينقلها إليه رئيسه فهي إما النجاح وإما الموت: «ستصير لا شيء..» يقول له «ستصير نفاية، إن لم تتمكن من تحقيق نجاحك، أو احترامك، في الساعات الست والثلاثين المقبلة».
ستريكلاند هذا، الإيجابي الأمريكي، يعلن لإليزا البكماء، الخالي شكلها من الجاذبية أنه يستثار جنسيا من عدم قدرتها على النطق. في مشهد سابق، وفيما كان يمارس الجنس مع زوجته بميكانيكية تامة، رأيناه وهو يطبق على فمها بيده ويأمرها بأن تصمت إذ هو لا يطيق الكلام أثناء المجامعة. وبالمقابل يقدّم لنا الفيلم ما يراه العالم الحديث مكافأة النجاح: الكاديلاك، السيارة التي لم يُصنع مثلها من قبل. هناك مشهد كامل يتنقّل بنا في صالة الكاديلاك، حيث السيارات متعدّية اللون الواحد: «هذه الكاديلاك الخضراء» يقول ستريكلاند لبائعها الثرثار، فيجيبه هذا بأنها ليست خضراء، بل فستقية زهرية.
ذلك العالم كلّه يواجه، بإيجابيته المصفّاة تلك، المخلوقَ المائي. كيف يمكن أن يحتمل صاحب المقهى، كما في الفيلم، وجودا هو على ذلك القدر من الغرابة والوحشية في وقت يرفض فيه أن يستقبل زوجا وزوجة أسودين. كما أنه، بعد لحظات من ذلك، يطرد زبونه الوحيد لأنه أبدى حركة دلّت على مثليّته. الخلاص هو في ذلك المخلوق إذن، العائد إلينا من الأساطير والميثولوجيا ومن حكايات الأطفال. لكنه، باستثناء حبيبته البكماء، لن ينقذ أحدا منا. سيذكّرنا فقط بسوء العالم الذي نعيش فيه، ثم يرحل إلى عالمه المائي، أو إلى اختبائه، أو إلى كمونه حتى يظهر من جديد ملبيّا حاجتنا إلى العيش في الخرافة.
حصل الفيلم على جوائز كثيرة وجرت تسميته للفوز في جوائز كثيرة أخرى. بعض النقاد ذكر أن ما يميزه هو نجاحه في إظهار ذلك القدر من الانفتاح الروحي على عالم أوصدت منافذه على كل ما ينتمي إلى الروح. من ذلك مثلا ما شاهدناه من تضامن بين أليزا البكماء، عاشقة الوحش، وصديقتها السوداء وصديقها المثلي، ومن انبثاق للأمل في العالم الكامد، حيث تجري أكثر المشاهد في المركز الفضائي السريّ المطبقة عتمته والغارق في ليله.
٭ كاتب وروائي لبناني
حسن داوود