«الجمعية» هي اختراع مصري أصيل، وهي واحدة من الحلول التي لجأ إليها سكان المناطق الفقيرة وشديدة الفقر للتغلب على العوز وضيق ذات اليد، عن طريق تولي أحد الأشخاص مهمة تجميع مبلغ من المال من مجموعة من الأفراد، إما بشكل يومي أو شهري، حسب الاتفاق، وبعد تحديد أولويات احتياجات الأشخاص المشاركين، يتم تداول المبلغ بينهم تباعا، ليُمثل نظام الجمعية تحايلا مشروعا من أهالي تلك المناطق الشعبية الفقيرة على صعوبات الحياة التي يستحيل التعامل معها بأي شكل من أشكال المنطق القائم على الموازنة بين موارد تلك الأسر واحتياجاتها الأساسية في الحياة. وعن هذه الظاهرة المتأصلة تأتي حكاية المخرجة اللبنانية المصرية ريم صالح في أول أفلامها الوثائقية الطويلة «الجمعية» الذي شهد عرضه العالمي الأول من خلال مشاركته في قسم البانوراما، أحد أقسام مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته 68.
محاولة الحياة
اختارت صالح أن يكون هذا المظهر الاجتماعي المصري الأصيل هو مُدخلها لفهم وصية والدتها لها، وكانت والدتها قد أوصتها بأن تدفنها في مصر في مقابر أسرتها في منطقة روض الفرج، فقررت ريم أن تتعرف على أهل هذه المنطقة، كي تعرف لماذا أصرت والدتها على هذه الوصية، ما الذي أحبته والدتها في هذا الحي، وجعلها تتعلق به ولا يبرح ذاكرتها المادية والعاطفية، حتى بعد زواجها من لبناني ـ والد ريم ـ ورحيلها معه من حي روض الفرج ومن مصر كلها. وجاء اختيار ريم للجمعية، حيث انطلقت منه ليس فقط لرصد مجموعة من الأسر والأشخاص وحكاياتهم مع الجمعية، وشكل ارتباطهم بهذا المظهر الاجتماعي، ولكنها نفذت من خلاله إلى روح هؤلاء البشر، إلى نظرتهم للحياة وطريقة تعاملهم معها، فعلى الرغم من قسوة هذه الحياة عليهم، إلا أنهم ما زالوا يتمسكون بخيوط الأمل رغبة في الحياة، ما زالوا يضحكون ويرقصون ويستخدمون الجمعية كي يدخروا من الأموال ما يساعدهم على الزواج والاحتفال وممارسة فعل السعادة.
عادات ومسالب
كما كانت الجمعية مظهرا من مظاهر تغلب هذه الفئة الاجتماعية التي يُمثلها سكان حي روض الفرج، فكانت أيضا مظهرا كاشفا للعديد من الممارسات الاجتماعية الأخرى التي ساهمت بشكل كبير في تعقيد وضعهم الاجتماعي أكثر مما هو عليه، فتركت صالح للكاميرا مهمة رصد بعض تلك الممارسات بدون تحيز أو إدانة منها، ولكنه كفيل بأن يساعد المُشاهد على تكوين وجهة نظر تجاه ما يراه على الشاشة، فرصدت على سبيل المثال الزيجات المتعددة لإبراهيم شقيق دنيا على فترات متقاربة جدا وتكرار الطلاق لأسباب عبثية، كأن تلقي أم دنيا بالملح في عين العروس أثناء الزفة، كما رصدت من خلال تغليب المرأة لغريزة الأمومة لديها على أي شيء، من خلال قصة أم ياسين التي تطلقت من زوجها ثلاث مرات في كل مرة كانت تعود له كانت تُنجب طفلا جديدا لمجرد أنها تعشق الأطفال ولأنها تجد سعادتها في تربيتهم، بدون التفكير ولو للحظة واحدة في إمكانية تربية وتنشئة هؤلاء الأطفال، في ظل ظروف اقتصادية بالغة السوء، وفي ظل جود أب يرفض العمل والإنفاق على أولاده، معتبرة أن الجمعية سوف توفر لها حلا يساعدها على كساء الأطفال ودفع مصروفات تعليمهم ما قبل المدرسي. كذلك وضع المرأة في حي روض الفرج، الذي يمكن اعتباره نموذجا لوضعها في هذه الفئة الاجتماعية الفقيرة، من خلال العديد من النماذج على مدار أحداث وشخصيات الفيلم، على سبيل المثال «أم غريب» التي يطلقها زوجها عادل بعد زواج استمر ثلاثين عاما ليطردها من منزلها في حي روض الفرج، المنزل الذي قضت أكثر من نصف عمرها في خدمته وخدمة أولاده، تعمل أي عمل كان من شأنه تحسين مستوى الأسرة وإعانتها حتى إن كان هذا العمل هو حمل أنابيب البوتاجاز وتوصيلها للمنازل مقابل خمسة عشرة جنيها، فيتركها الشيخ عادل بعد كل هذا ليتزوج، بعد ذلك أربع نساء ويرفض لقاء أولاده ويدعي أنه قد عرف طريق الله، وأنه سيكتفي به عمن سواه، في مفارقة عبثية وكأن الله يمكن أن يرضى بما فعله بأم أولاده.
المنسيون
انطلقت صالح من وصية والدتها بالتعرف على أبناء حي روض الفرج دفنها وسطهم إلى ما هو أبعد من تلك الوصية الشخصية، إلى الحديث عن هؤلاء البشر الذين قد لا يعلم كثيرون عنهم شيئا، لا يعلمون عن وجودهم وعن طريقة عيشهم، عن العادات التي ظننا أنها انتهت وفوجئنا بأن شريحة عريضة من تلك الفئة الاجتماعية ما زالت تؤمن بها وبوجودها مثل، الختان التي أصرت فتاة لم تبلغ سن العاشرة على أن تخضع له على الرغم من معارضة والدها ووالدتها، عن طبيعة الوعي والتكوين المعرفي لتلك الفئة، وإلى أي حد وصل هذا الوعي، وهل هو حاضر بالأساس؟ أم أن غيابه هو الأزمة الحقيقية؟ فجاء الفيلم بمثابة التشريح الاجتماعي لفئة كاملة من خلال الحي الشعبي.
٭ ناقدة مصرية
رشا حسني