عفرين: تقلبات صعبة ومواقف لا مفر منها

حجم الخط
0

يمر الشهر الأول من المعارك في عفرين بين الوحدات الكردية من جهة والجيش التركي وحلفائه من جماعات الجيش الحر السورية من جهة ثانية بقلق شديد، وبزيادة في الحسابات والضحايا، وتقلبات صعبة في المواقف، والتحالفات، ومناطق السيطرة بين الجهتين، في وقت يُلاحظ المراقبون كيف أن الجبهات السورية الأخرى تشهد المزيد من الضجة وخاصة ان الحرب الداخلية على مناطق النفوذ في إدلب بين حركة أحرار الشام الإسلامية وصقور الإسلام من جهة وبين هيئة تحرير الشام الإسلامية (جبهة النصرة) من جهة أخرى في بلدات أريحا ومعرة النعمان والمسطومة وغيرها مستعرة في الوقت الذي زادت فيه تركيا عدد نقاط تمركزها هناك إلى ست. ويُلاحظ تزايد الهجوم الجوي الوحشي للنظام مدعوما بحلفائها من الروس والإيرانيين على منطقة الغوطة الشرقية المحاصرة بترافق مع إعلان كتائب الجنوب السوري في درعا عن فض الهدنة مع النظام مع وصول الأخبار عن مقتل المئات من المدنيين في الغوطة، وتأتي الأخبار عن قيام الأمريكان بدحر هجوم لجيش النظام وحلفائه على نقطة تمركز لقوات سوريا الديمقراطية والجيش الأمريكي في وادي الفرات وما تبعه من ضجة إعلامية عن وجود مواطنين روس يقاتلون مع النظام هناك ضمن حملة السيطرة على نقاط النفط والغاز في شرق سوريا. كل هذه الأحداث التي ترسم معالم الأوضاع العامة السورية تُعتم إلى حد ما على الأحداث في عفرين وتجعلها معركة هامشية رغم ارتباط معظم الأحداث في سوريا بعضها ببعض، ورغم كونها مصيرية على مركز الأكراد السياسي والعسكري في سوريا المستقبل، وتجعل من مواقف القوات الكردية التي «تدافع بشراسة» حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان لدرجة اضطرارها إلى طلب المساعدة من جهة تعتبرها تلك القوات نداً وعدواً لها وهي جيش النظام السوري الذي دخلت بعض قواته الرديفة إلى عفرين قبل أيام للمساعدة في صد الهجوم التركي عليها.
ما زالت المعارك في عفرين تتمحور على أطراف المقاطعة رغم الحديث عن عمليات كر وفر مستمرة بين الطرفين في معارك القرى هناك. وما زالت نسب السيطرة التركية على المنطقة غير معلومة، وان كانت التقارير تتحدث عن سيطرة تركيا على نسبة من الأراضي هناك تتراوح ما بين العشرة في المئة إلى السبعة عشرة، وهي نسبة صغيرة قياساً بنوعية الأسلحة وحجم القوات التركية والقوات الرديفة لها من السوريين، وهي نسبة مؤثرة كردياً على اعتبار أن عفرين نفسها ليست بتلك المساحة الكبيرة وكل تقدم تركي ولو صغير يزيد من صعوبة موقف الإدارة الذاتية هناك من حيث كيفية إدارة الموقف، واحتواء الوضع الإنساني، وكيفية إيواء للنازحين إلى بلدة عفرين من مناطق الاشتباك الساخنة، وكذلك يجعل خيارات الوحدات الكردية أكثر ضيقاً على اعتبار أن المجتمع الدولي يتفرج حتى اللحظة، ويخشى لجم تركيا الغاضبة من الغرب لملفات خلافية عدة رغم التذكير الفرنسي والأمريكي المستمر لها بضرورة ضبط النفس والهدوء، ولقربها السياسي الحالي في سوريا مع موسكو على رغم الحديث المتقطع لروسيا عن تفاصيل ثانوية هنا وهناك، وتأكيدها على ضرورة الحوار المباشر بين أنقرة ودمشق لوضع حل لتلك الأحداث في قفز على المواضيع الرئيسية المتعلقة بعفرين.

الدعوة الكردية للنظام للدخول
وفصل الملفات

ظل الأكراد يطالبون النظام التدخل في عفرين ضد الهجوم التركي منذ اللحظات الأولى من خلال إغلاق المجال الجوي السوري بوجه الطائرات التركية دون التدخل المباشر لعدم إعطاء النظام الفرصة للعودة إلى السيطرة هناك على اعتبار ان عفرين خالية من النظام منذ أكثر من ثلاث سنوات، وان الأكراد يرتابون من عودة المركز إلى ممارسة سلطته الاستبدادية التي عانوا منها لعقود في مناطقهم. ولكن، ظل النظام الذي صرح نائب وزير خارجيته فيصل المقداد قبل بدء العمليات التركية هناك أن الدفاعات الجوية السورية ستتصدى للطائرات التركية عند دخولها المجال الجوي السوري متفرجاً عند بدء العمليات. النظام الذي رفض طلباً من الوحدات الكردية للانتشار على الحدود للدفاع عن «السيادة السورية» تحت ضغط الروس حسب توصيف المصادر الكردية في بدايات المعارك، أعلن قبل أيام عن وصوله لصيغة غير واضحة تماماً لدخول عفرين للمساعدة في الدفاع عنها.
يتحدث القادة الأكراد عن أن ظروف المعركة حتمت عليهم دعوة دمشق للدفاع عن حدودها الخارجية، وهو جزء من نهج يتبعونه من خلال فصل الملفات الداخلية عن الخارجية، حيث يذكر هؤلاء، أن واجب حماية الحدود عند وجود هجوم خارجي يقع على عاتق المركز وغير ذلك من الملفات كملف إدارة المنطقة، وملف الأسلحة الثقيلة والمقاتلين، وشكل الحكم، هي ملفات خلافية مع المركز لا علاقة لها بموضوع الدفاع المشترك عن الحدود الخارجية لعفرين. حاول النظام الترويج على أنه حامي البلاد، وأنه عاد للمنطقة كمنقذ، وظل الأكراد يرسمون خطوط انتشاره المتواضعة حتى اللحظة حسب المراقبين هناك. ففيما تصر الوحدات الكردية على تخصيص الخطوط الأمامية فقط لتلك القوات القادمة والتي يسميها النظام بالقوات الشعبية (وهي جلها فيما يبدو من منطقتي نبل والزهراء المجاورتين لعفرين والتابعتين للنظام)، يحاول النظام الترويج على عودته الكاملة للمنطقة، وتحاول في ذات الوقت الجماعات السياسية المعارضة القريبة من تركيا اعتبارها جزءا من تحالف قديم بين الوحدات والنظام، في الوقت الذي يرد القادة الأكراد على تلك الجماعات وعلى النظام نفسه من خلال تسليط الضوء على الأخبار الواردة عن القتال المستمر لقوات سوريا الديمقراطية ضد النظام وحلفائه على مناطق النفوذ في شرق الفرات.
وظلت أمريكا تحاول تخفيف التشنج الحاصل على حدود عفرين بين جهتين تعتبرهما حليفتين لها في المنطقة دون جدوى. وطالبت أمريكا تركيا مرات عدة ضبط النفس، وحاولت تمرير الرسائل من خلال التصاريح الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع والخارجية لأنقرة عن ضرورة تركيز القوة على محاربة «داعش» لا على معركة عبثية.
وظلت أمريكا تذكر الوحدات الكردية أن المعارك في عفرين رغم عبثيتها من قبل تركيا، إلا أنها خارج النفوذ الأمريكي وهي لا تستطيع سوى تقديم الدعوات للطرفين بالهدوء. وكان التصريح الرسمي الذي ركز على أن القوات الأمريكية لم تقدم أي سلاح للوحدات الكردية الموجودة في عفرين جزءا من الصراحة الأمريكية للوحدات الكردية عن حقيقة الأمور وطبيعة التصرف الأمريكي مع ملف عفرين الساخن، في وقت كانت الأخبار تتحدث عن رفض أمريكي التخلي عن منبج التي تطالب بها تركيا واستعدادها الدفاع عن وجودها وشركائها هناك. لم يكن الرد الكردي الرسمي في عفرين على الموقف الأمريكي فوضوياً بل فيما يبدو من التفاصيل حسب المراقبين، أن الأكراد اختاروا البراغماتية في التصرف فقرروا البحث عن بدائل وإن كانت موجعة لهم في الوقت الذي عززوا تحالفهم مع الأمريكان في شرق الفرات ومنبج أيضاً. كانت الأخبار الصادرة عن الدفاع الصارم للقوات الأمريكية عن قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمادها في وادي الفرات أمام هجوم النظام جزءا من تلك البراغماتية التي يمارسها الطرفان. تقبل الأكراد تباعد الأمريكان معهم في ملف عفرين، وتأقلموا مع الوضع، ويقدر الأمريكان فيما تقول المصادر عدم تهور الأكراد بسحب المقاتلين من مناطق التشابك مع «داعش» والنظام السوري في وادي الفرات إلى عفرين كرد فعل على عدم تدخل أمريكا القوي لوقف تركيا عملياتها هناك. بحثت الوحدات عن دعم بديل فوجدته لدى النظام وعلى اعتبار ان الهجوم التركي بدأ بضوء أخضر روسي، لا يصلح طلب المساعدة من الروس بعدها، وعلى اعتبار أن الوحدات تجد في إيران دولة مريبة، وتقبل الأمريكان الخيار البديل الوحيد المتوفر للوحدات واستمروا في علاقتهم ودعمهم للوحدات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية في مناطق التواجد المشترك بينهما رغم الدخول العسكري للنظام إلى عفرين.
وبينما تأخذ العمليات العسكرية في عفرين طابعا جديدا مع دخول بعض الطلائع العسكرية التابعة للنظام، يبدأ الحديث عن المصير الذي ستكون عليه الأوضاع العامة لمستقبل الإدارة في عفرين في الشارع الكردي العام وعن الآليات التي سيتبعها القادة الأكراد لتحقيق التوازن بين خططهم الخاصة وتشويش النظام عليها، وكذلك تطفو على السطح تساؤلات عن موقف تركيا في مواجهة الوجود الرسمي للنظام على الحدود، فبينما يتخوف البعض من تحول المعارك إلى إقليمية في حالة المواجهة المباشرة بين النظام وتركيا، يظن البعض أن الأتراك سيضطرون إلى التوقف عن هجومهم الذي قد يحرج قيادتهم في الداخل التركي، ويجعل موقف المعارضة السورية المسلحة أضعف عن ما قبل من حيث وقوفها صامتة أمام عدوها الرئيسي المفترض وهو النظام، حيث ما زال البعض في عفــرين يتحدث وبإصرار عن ان بنادق هؤلاء المقاتلين تفتح فوهاتها مع فوهات البنادق التركية وتغلق بإغلاقها ليس إلا.

عفرين: تقلبات صعبة ومواقف لا مفر منها

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية