التشكيلي الفلسطيني هيسم شملوني… أعمال بعيدة عن الأيديولوجيا تستلهم روح التاريخ

حجم الخط
1

زيوريخ: دلدار فلمز: يتميز عالم التشكيلي الفلسطيني «هيسم شملوني» بالابتعاد عن الأيديولوجيا والأطر المستهلكة، في سبيل البنية السيكولوجيه لمكونات اللوحة، والتي تتناقض أو تنسجم مع الرؤية البصرية للمتلقي، وهنا يبدو المخزون المعرفي والثقافي للفنان، مؤكداً بذلك خصوصية فنية تشكيلية جديدة وحده مَن يخط ملامحها. ولا يخفى على المتابع لتجربة شملوني أن له سجلاً حافلاً كفنان مبدع ومجرب، يبحث دائماً في التقنية وفي الحلول الجمالية، خدمة لما يمكن أن يقوله العمل الإبداعي، متنقلاً بين الرمزية والتعبيرية بمساحات قد تبدو أنها تنتمي إلى التجريد، هذا على مستوى اللون، أما على مستوى الملمس فإنه يستمر في صياغته «للروليف». ولذلك نجد أنه دائم الحرص على المضمون البصري الذي يصهر فيه الذات الخاصة مع الذات الإبداعية، مغلفاً بالحب والفرح والإشعاع الداخلي للوحاته كمية هائلة من الحزن والخيبات والهزائم التي عاشها على المستوى الشخصي، وعلى مستواه العام، بسبب انتمائه لمساحة جغرافية دائمة الصراعات والنزف. ومن هنا نجد أنه يسبح في كيميائيته التشكيلية نحو حالة جمالية تسكن فضاءه الإنساني الرحب، ما جعل من تجربته تجربة متميزة في التشكيل السوري/الفلسطيني المهاجر.

إعادة بث الروح التاريخي

نجد في تجربة الفــــنان أنها مليئة بالعـــــلامات الفارقة في التشكيل الجمالي الموحي بإيقاعات لونية واختزالات ذات أبعاد دلالية بصرية مستمدة من العمارة، التراث، التاريخ والحضارات المتعاقبة التي سكنت منطقتنا، إضافة إلى الحكايات الشعبية والحدث السياسي المباشر، وهذا ما عبر عنه في معرضه «تجليات لون على حرف، لون على تاريخ» في أواخر عام 2015 في فرنسا، بعد أن دمر «داعش» الكثير من الآثار السورية والعراقية، ليعيد الفنان صياغتها برؤية معاصرة وإعادة إحيائها بقالب فكري تشكيلي جمالي بعيد عن المحاكاة المباشرة، عبّر من خلاله عن رفضه لهذا الإجرام ورغبة منه في إعادة إحياء هذه الأوابد فنياً لتبقى شاهداً على رقي المنطقة التي ننتمي إليها ببعديها التاريخي والحضاري.

التراث والحداثة

استطاع شملوني بأسلوبه أن يبني جسراً تشكيليا بين اللوحة بمفهومها الكلاسيكي الغربي والروح الشرقية التي تعتمد على الحفر النافر والغائر، موظفاً الحرف العربي والروليف التراثي والمفردات الهندسية التراثية بصياغة حداثوية، ما جعله يطرق باب الساحة الفنية بقوة ويدخله بأولى خطواته كما عبرت عن ذلك الصحف الفرنسية في كتاباتها لمجموعة المعارض التي قدمها في العديد من المدن الفرنسية، وهذا ما جعلهم يرونه ويكتبون عنه وعن فرادة لوحاته التي تحمل عبق الشرق وغناه اللوني وموسيقاه الثرة.

حكايات طفولية ومخزون ثقافي

ويلاحظ أنه يداعب ذاكرته من خلال نبش جمالياتها المليئة بعالم كامل من قصص الطفولة وشقاوتها ومعانيها الدفينة في روح الكائنات المصورة بإبداعه، ليسقط عليها مضامين إيحائية مستمدة من مخزون ثقافي معرفي كان قد اشتغل عليهما ووظفهما في إعادة الصياغة للتكوينات التي يسقطها على سطوح لوحاته، متنقلاً كراقص صوفي بين توزع الكتلة الفراغ والشكل واللون مع أنغام الخطوط الممتلئة بروحانية الزخرفة ذات الأبعاد الشكلية في فضاء حر.

التشكيلي الفلسطيني هيسم شملوني… أعمال بعيدة عن الأيديولوجيا تستلهم روح التاريخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية