حوار مع عبد العزيز المقالح: المبدعون وأبناؤهم… إمكانية الامتداد وخصوصية الصِلة

حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي» ـ من أحمد الأغبري: هل بالضرورة أن تكون للأبناء صِلة بإبداع آبائهم؟ وهل ثمة سمات لهذه الصِلة إن سلمنا بوجودها؟ وبمَ نفسر غياب أي صِلة سواءً على صعيد الإنتاج الإبداعي، أو على صعيد تلقي وتقدير الإبداع عموماً، أو حتى على صعيد التمثّل الإنساني والجمالي، لما يجسده وجسده الآباء المبدعون، في تعاملاتهم ويكرسونه وكرسوه في نتاجاتهم، لدرجة قد نجد بعضهم على النقيض؛ فنستغرب من أن هذا ابنا لذاك؟ وأسئلة أخرى ناقشتها «القدس العربي» تحت هذا العنوان مع الشاعر والناقد اليمني عبد العزيز المقالح (1939):

■ هل بالضرورة أن يكون للمبدع امتداد إبداعي في أبنائه؟
□ ليس من الضروري؛ فالإبداع موهبة… وأعرف عشرات المبدعين الذين ليس لأبنائهم صِلة بالإبداع، سواءً الكتابة الإبداعية أو غيرها من الفنون، وفي المقابل هناك استثناء.

■ هل ثمة سمات لصِلة خاصة يُفترض أن تتوفر بين الأبناء والآباء المبدعين؟
□ بالنسبة للمبدع العربي فهو غير متفرغ للكتابة والإبداع؛ كغيره من المبدعين وأدباء العالم الذين لا عمل لهم سوى الكتابة والتفرع لها؛ فالمبدع العربي لا بد أن يكون له عمل يحصل من خلاله على راتب يضمن له حياة معيشية مناسبة. وفي ظروف صعبة كالتي يمرّ بها المبدع العربي لا يمكن الحديث عن سمات مُلزِمة لإقامة صِلة وثيقة بينه وبين أبنائه؛ لانشغاله أولاً، بالعمل خارج موضوع الكتابة والإبداع. ولانشغاله ثانياً، بالكتابة وما تتطلبه من قراءة دائمة ومتابعة لأحدث الإصدارات والنتاجات الأدبية. إن المبدع العربي في وضع لا يُحسد عليه. عندما كنتُ في مصر، حيث عشتُ فترة طويلة، فقد اقتربتُ من عددٍ من المبدعين المعروفين، ووجدتُ أن حالهم لا يختلف عن حال أي مبدع في أي قطر عربي، لا يعطي الإبداع سوى جزء من وقته؛ لأنه مشغول بالبحث عن مصادر المعيشة شأنه شأن بقية البشر الذين لا يملكون أي موهبة.

متلقون للإبداع

■ قد نتفق على إن الإبداع موهبة؛ إلا أن امتداد المبدع في أبنائه ليس بالضرورة أن يكون في الإنتاج الإبداعي؛ بل يجب ـ وفق رأي البعض ـ أن يتجلى في تلقيهم الإيجابي للإبداع وتقديرهم له. بم تفسر نفور بعض أبناء المبدع من الإبداع حد العداء، وهو ما يترجمه البعض في تخلصهم من تراث الأب عبثاً وبيعاً؟
□ إن المعاناة القاسية التي يعيشها المبدع تجعل أبناءه، أحياناً، يبتعدون كثيراً عن كل ما يمت بصِلة للإبداع، وقد يصل الأمر إلى التخلص مما يتركه الأب من آثار تجربته الإبداعية، وهو ما وجدناه في الواقع من تعامل لأبناء بعض المبدعين، حيث باعوا آثار آبائهم بأرخص الأثمان. في اليمن نجد □ على سبيل المثال ـ أن رائد الفن التشكيلي هاشم علي (توفي عام 2009) عانى كثيراً من إبداعه، حيث أرهق نفسه كثيراً لدرجة كان يقضي أسابيع وشهوراً في إنجاز لوحة واحدة، ثم لا يجد مَن يقتنيها ويقدّرها حق قدرها، وكان أبناؤه يعيشون هذه المعاناة؛ ومن هنا فقد نفروا من هذا المجال الذي ظل مفتوحاً لغيرهم من الذين كانوا يتعلمون في مرسم أبيهم، وهُمّ لا يدركون بصورة مباشرة معاناة هذا الفنان العظيم، وما كان يبذله الأب الفنان من جهدٍ في إنجاز لوحاته البديعة. في مصر مات عميد الأدب العربي طه حسين وله ابن وبنت واحدة؛ الابن كان لا يُجيد اللغة العربية وكان يكتب بالفرنسية في مجالات وموضوعات غير أدبية، وذلك عندما كان يعمل في منظمة «اليونيسكو» في باريس، أما البنت فكانت ربّة بيت ناجحة ولا علاقة لها بالكتابة على الإطلاق. وقد ساعدتني الظروف على معرفة منزل عميد الأدب العربي في أواخر حياته، كما زرتُ هذا المنزل بعد وفاته بعام مع عددٍ من الأدباء العرب الذي شاركوا في إحياء الذكرى الأولى لرحيله إلى عالم الخلود، وأظن أن كل شيء في المنزل كان كما تركه هو حرصاً من زوجته الفرنسية التي ورثت تقاليد الإبداع من بلدها، وهذا نادر أن يحدث في حياة كثير من أدبائنا ومبدعينا.

الإبداع والعائلة

■ لكن قد لا تكون الحياة المعيشية القاسية هي السبب الوحيد وراء نفور أبناء المبدع من الإبداع وموقفهم السلبي من تجربة الأب. قد يكون السبب، أحياناً، فيما يفرضه الأب من عزلة على تجربته الإبداعية؛ لدرجة قد لا تعرف عائلته عنها إلا اليسير؟
□ لا أظن ذلك… وقد سمعتُ من عددٍ من أصدقائي الشعراء عندما كنت في مصر العربية، وهم إذ يتحدثون عن دورهم في إقصاء أبنائهم عن الاتجاه إلى الإبداع رفقاً بهم وحرصاً على مستقبلهم؛ فالإبداع في الوطن العربي لا يُطعِم ولا يُسمِن من جوع، فضلاً عما يترتب عليه، أحياناً، من آلام ومشكلات ومتاعب تسببها شطحة من الشطحات، مع إيماني بوجود رغبه وتطلع وإحساس لدى بعض المبدعين، بأن يكون ابناؤهم امتداداً لهم إبداعياً. وأحياناً فإن ما يعانيه المبدع من عزلة وانكباب على القراءة وما يبذله من جهد ومعاناة تجعل المحيطين به لا يحبذون الانشغال بمهنة أو وظيفة هذه حالها. وثمة استثناءات نجدها هنا وهناك في ابناء بعض المبدعين الكبار، وأتذكر أنني قرأت ديوانا للشاعر علي شوقي، هو ابن أمير الشعراء أحمد شوقي… صحيح أن الديوان كان على درجة من الضعف؛ إلا أنه يشير إلى إمكانية هذا الاستثناء بوجود صِلة بين الإنسان المبدع وأبنائه. وبالنسبة لنا هنا يمكن الإشارة إلى القاص والراوي همدان زيد مطيع دماج الذي يسير على نهج والده الكاتب الراحل، في الكتابة وممارسة أشكال عديدة في الفن والإبداع.
■ كأنك تؤكد بكلامك ألا مسؤولية للمبدع كليةً عن أي امتداد وتأثير إبداعي في أبنائه حتى على مستوى أن يكونوا متلقين جيدين للإبداع؟
□ تبقى المسؤولية قائمة؛ وفي كل الأحوال لا أخفي أن المبدع نفسه مقصر في حق ابنائه نتيجة انشغاله، وأظن أنه لو أعطى أبناءه بعض الاهتمام وجعلهم يقتربون منه كثيراً ومن مكتبته أكثر لكان قد فتح أمامهم آفاقاً للإبداع، أسوة بما يفعله مع الآخرين من الشبان الواعدين الذين يحيطون دائماً بالأدباء الكبار، ويلتفون حولهم مستفيدين من ملاحظاتهم وقراءاتهم، لكن لا أظن أن بمقدوره أن يجعلهم مبدعين ولو كان ذلك ممكناً لكان في مقدور أي أب أن يفرض على أبنائه ويختار لهم الكليات والتخصصات التي يريدها لهم في دراساتهم الجامعية لا التي يريدونها هُمّ.

الامتداد الإنساني

■ ذلك على مستوى الصِلة الإبداعية؛ فماذا عن الصلة الإنسانية والامتداد الثقافي؛ إذ من الضروري أن يستنير أبناء المبدعين بوعي آبائهم الإنساني والجمالي والثقافي ويمثلوا امتداداً له في ميولهم وتعاملاتهم؟
□ على صعيد الامتداد الإنساني والقيمي اعتقد أن غالبية أبناء المبدعين إن لم يكونوا كلهم على درجة من الاستقامة والوعي. أعرف عدداً كبيراَ من أبناء الشعراء الكبار يتمتعون بكل هذه الصفات التي تعكس الرؤى الجمالية المتمثلة في ما يكتبه آباؤهم، وهذا من البديهيات، وإذا حدث ما هو خلاف ذلك فليس مسؤولية المبدع، وإنما مسؤولية الأبناء الذين يقعون تحت تأثيرات خارج محيط العائلة.

■ في ما يتعلق بتجربـتك؛ هل ثمة صِلة لأبنائك بالإبداع؟
□ ربما كنتُ واحداً من المبدعين الذين لا صِلة لأبنائهم بالإبداع؛ فأبنائي وبناتي لا علاقة لهم بالإبداع باستثناء واحدة من حفيداتي تهوى الشعر، وتحاول كتابته على الرغم من أنها طبيبة وغارقة في مجال البحث في تخصصها.

■ هل هُمّ قراء ومتلقون جيدون للإبداع؟
□ كلهم قراء ويقرأون في مجالات تخصصاتهم المختلفة. حُبْ القراءة لديهم جميعاً، كما يهوى بعضهم الرسم، ويحبون سماع الموسيقى بعمق.

■ وماذا عن علاقتهم بقراءة وحفظ الشعر بما في ذلك شِعرك أنتَ؟
□ يهوون قراءة الشعر إلى حد ما؛ فيقرأون ويحفظون قصائد لبعض الشعراء، بما فيها بعض قصائدي. وبالنسبة لي لستُ مهتماً كثيراً بمتابعة هذا الميل، كما لا أحب دور الرقابة عليهم أو على غيرهم في شؤون تعد من الخصوصيات الذاتية.

■ هل يداوم محمد ابـــنك على حضور مجلسك الثقافي؟
□ كان يحضر أحياناً، ولكنه، كمهندس، يجد نفسه منصرفاً للتعمق في تخصصه والاتجاه نحو مزيدٍ من الاطلاع على التطورات المتلاحقة في هذا المجال…

■ على الصعيد الثقافي والجمالي والإنساني هل يتمثل ابناؤك رؤاك؟
□ إلى حدٍ ما إنسانياً وتعـــــاملاً مع الآخرين وتطلعاً نحو الأفضل بغض النظر عن ممارسة الإبداع أو تجنبه.

حوار مع عبد العزيز المقالح: المبدعون وأبناؤهم… إمكانية الامتداد وخصوصية الصِلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية