عرضت على الامريكي الذي التقى في هذا الاسبوع رئيس ايران روحاني في نيويورك ثلاثة اسئلة، كانت الثلاثة تحت السقف المشترك لسؤال ‘أي انطباع ترك فيك ذلك الرجل’. كان الاول، أهو ذكي؟ وكان الجواب: ‘نعم’. وكان الثاني أهو ثقة؟ وكان الجواب: ‘يبدو كذلك’. وكان الثالث، هل يمكن الاعتماد عليه؟ وكان الجواب: ‘لا’. لم يوجد اتصال بين رؤساء الادارة في واشنطن وطهران مدة 34 سنة. وكانت القطيعة شبه مطلقة، من دون علاقات دبلوماسية ومن دون تجارة مباشرة، ومن دون الغمز المتبادل الذي اعتادت امريكا أن تتبادله مع أعدائها. وحينما يتجدد الاتصال فهناك تسويغ صحافي لتسمية هذه اللحظة ‘لحظة تاريخية’. لكن ليست المسألة مسألة عظم اللحظة، بل معناها. فهناك لحظات تاريخية أفضت الى نعمة، وهناك لحظات تاريخية أفضت الى كارثة. إن الظروف التي أفضت الى تغيير التوجه في ايران معروفة للجميع، فقد أسقطت العقوبات الاقتصادية العملة الايرانية وأضرت بمستوى عيش المواطن وباستقرار المجتمع، وأحدثت ضغطا داخليا يهدد استمرار حكم آيات الله. والهدف الذي لأجله بدأ روحاني هجوم سلامه، هو أن يفضي الى ازالة العقوبات في أسرع وقت ممكن؛ وان لم يُفض الى ازالتها المطلقة فالى تخفيف كبير على الأقل. ولا تنوي ايران أن تنقض برنامجها الذرين لكنها مستعدة لتجميد البرنامج على حافة احراز القنبلة الذرية. لا يعني ذلك أنه لا تغيير في ايران، بل يعني أن التغيير تكتيكي. لكن تكتيكي اليوم يمكن أن يصبح استراتيجي الغد، لأن الانفتاح للغرب من جديد يمكن أن يؤثر في الواقع في ايران بصورة تفاجئ حرس الثورة. فيوجد هنا اذا مكان لشيء من الأمل. إن التقارب الذي تبدو تباشيره بين اوباما وروحاني لم يطب لأية حكومة موالية لامريكا في الشرق الاوسط. وأُخمن أن يكون الشعور بالخيانة يشمل الآن كل الحكومات السنية – السعودية ومصر وتركيا والاردن والسلطة الفلسطينية، والقوى المعادية للشيعة في لبنان وسورية والعراق. كانت السعودية تُغري الادارة الامريكية بالهجوم على ايران سرا في السنوات الاخيرة، وقد تبحث عن صلات جديدة ازاء مصالحة امريكية للعدو في طهران. فقد وافقت على أن تمد النظام العسكري في مصر بمالها، ومن جملة الاسباب لذلك أن تُسهل على ادارة اوباما التي حُشرت بين مرسي والسيسي، فمن المثير للاهتمام أن نرى ماذا ستفعل الآن. لا يقل وضع اسرائيل حساسية عن ذلك، فقد جعل اوباما نتنياهو يقف أمام حقيقة قد انقضت، فقد كان نبأ المكالمة الهاتفية مع روحاني الذي نُقل الى مستشار الامن القومي عميدرور قبل المكالمة بدقائق بمثابة استخفاف، فلم يشاور اوباما نتنياهو ولم يأخذ رأيه في الحسبان. إن نتنياهو الذي سيلقى اوباما في البيت الابيض اليوم لن يستطيع أن يغير سياسته. ومع ذلك ينتظره عمل كثير. وقد أشار اوباما اشارة خفية في التوجيه الذي أعطاه بعد المكالمة مع روحاني الى أنه لا يُخرج من جملة الامكانيات تخفيف العقوبات. وسيحاول نتنياهو أن يقنعه بأن يشترط كل تخفيف بتجميد المشروع. ويستطيع أن يتوجه الى مجلس النواب، لأن الكثرة في مجلس النواب يُفرحها أن تُفشل كل محاولة للادارة لتخفيف العقوبات. فيمكن أن يتوجه الى الرأي العام من فوق رأس الرئيس. فرئيس الوزراء الاسرائيلي يستطيع احيانا أن يحرز بمواجهة مع الرئيس أكثر مما يحرز بالتسليم معه. ويستطيع نتنياهو أن يختار نغمة محرقة تُشبه المكالمة الهاتفية بين اوباما وروحاني بتشامبرلين في ميونيخ؛ ويمكن أن يختار نغمة براغماتية تتحدث بلغة الكلفة الفائدة؛ وقد يكون هذا وقت اخراج خطط نتنياهو القديمة، ومنها شعار: ‘اذا أعطوا سيأخذون وإلا فلن يأخذوا’ من الخزانة. ومهما يكن الامر فان اوباما قد طوى دفعة العلم الذي كان يلوح نتنياهو به للاسرائيليين وللعالم، والذي هو أساس بقائه السياسي. فقد أُزيل تهديد الولايات المتحدة بهجوم عسكري في الاشهر القريبة على الأقل. ويُشك في أنه كان يوجد تهديد عسكري اسرائيلي من قبل. يبدو أنه لن يكون تشرتشل. فقد كان ذلك حلما وطُوي، وما زال ينتظره تفاوض غير سهل مع الفلسطينيين. قد يمتدح وزير التاريخ اوباما في المستقبل بسبب اجراءاته الاخيرة، لأن احجامه عن مواجهة عسكرية دفع قدما بالاتفاق على القضاء على مخزون السلاح في سورية، وربما الى اعتدال ايران ايضا. إن من لا يتمتع بمنظار تاريخي يرى سلوكا مترددا هزيلا احيانا وساذجا احيانا وهاويا احيانا. سيقولون في دول اخرى في المنطقة: لم يعد من الممكن الاعتماد على امريكا اوباما، وليس للاسرائيليين مثل هذا الامتياز، فهذا هو الموجود. إن الكثير متعلق الآن بالايرانيين، فاذا لم يخطئوا خطأ فظيعا، واذا لم يُصبهم نجاح روحاني بالغرور فعندهم احتمال طيب لاعادة بناء أنفسهم من جهة اقتصادية والوقوف في ثبا،ت مثل دولة على حافة القدرة الذرية. وقد كانت هذه قصتهم من البداية ولم يُقدم روحاني سوى الخطة الفنية.