إسطنبول ـ «القدس العربي»: بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الاثنين، جولة جديدة في إفريقيا تشمل 4 دول، ليحطم بذلك رقماً قياسياً جديداً كأكثر زعيم في العالم يزور القارة السمراء، وذلك في إطار جهوده لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية ظهرت مؤخراً أبعادها «الإستراتيجية» بشكل واضح.
ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2003، أبدى أردوغان اهتماماً خاصاً بالقارة السمراء، وقام بسلسلة جولات في القارة الأفريقية بصفته الأولى رئيساً للوزراء وصفته الحالية في الرئاسة، وتجاوز عدد الدول التي زارها الرئيس التركي أكثر من 30 دولة، بعضها زارها أكثر من مرة.
وشملت زيارات أردوغان في السنوات الماضية، معظم الدول العربية الإفريقية، حيث زار مصر والسودان والصومال وتونس والمغرب والجزائر، فيما شملت عددا كبير من الدول الإفريقية ومنها تشاد وإثيوبيا وجنوب إفريقيا والغابون والنيجر والسنغال وغينيا الاستوائية وجيبوتي وكوت ديفوار وكينيا وأوغندا ونيجيريا وتنزانيا وموزمبيق ومدغشقر وغانا.
رأى أردوغان منذ وصوله إلى الحكم ضرورة تعزيز انفتاح تركيا على العالم والخروج من سياسة الانغلاق على الذات التي مرت بها البلاد لعدة عقود، ورأى في الشرق الأوسط والقارة السمراء عمق استراتيجي هام يجب العمل معه وبدأ جهود واسعة للتقارب مع معظم الدول العربية والإفريقية، وذلك في الوقت التي كانت فيه تتقلص فرص أنقرة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ومع تطور طموح تركيا بتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، لا سيما في هيئات الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، شكلت الدول الإفريقية التي عززت معها تركيا العلاقات في السنوات الأخيرة، داعماً أساسياً لهذه الطموحات، وبات لتركيا سند قوي في منظمة التعاون الإسلامي التي تترأسها حالياً، وسبق أن تولت منصب أمينها العام، وتطمح مستقبلاً لإمكانية حصولها على الدعم الكافي من هذه الدول وغيرها لشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وتقدم تركيا نفسها إلى القارة السمراء بأنها الدولة التي لا تهدف لاحتلال أو نهب موارد هذه الدول، يقول إبراهيم قالن الناطق باسم الرئاسة التركية: «إفريقيا تستحق المعاملة كشريك متساوٍ على الساحة العالمية»، لافتَا إلى احتياج القارة لـ»السلام، والعدالة، والاستقرار وليس إلى أشكال جديدة من الاستغلال».
ويقول أردوغان: «تربطنا بالأفارقة رابطة أخوة حقيقية»، مضيفاً: «تقرب تركيا من إخوتها الأفارقة ليس تقرب مصلحة من طرف واحد، بل هو علاقات منافع متبادلة تهدف لإغناء إفريقيا والنهوض بها»، ويشدد على أن تركيا تتبع مع إفريقيا سياسة «إربح إربح» والقائمة على تبادل المنفعة وليس نهب موارد هذه الدول التي يذكرها دائما بالاستعمار ونهبه لمواردها، مقدما تركيا كنموذج مختلف.
ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية الحاكم وضع خطة بعنوان «سياسة الانفتاح على القارة الإفريقية»، وزادت تركيا عدد سفاراتها في القارة السمراء من 12 في عام 2009 إلى 40 سفارة في الوقت الراهن، وتخطط لنشر سفاراتها على كامل القارة في المدى المتوسط والطويل، فيما يوجد في أنقرة سفارات 33 دولة إفريقية.
أهداف اقتصادية
وإلى جانب الأهداف السياسية، يحتل الاقتصاد مرتبة متقدمة جداً في أولويات تركيا في القارة السمراء، وترى فيها أسواقاً واعدة وبلاداً تتمتع بقوة بشرية مؤهلاً لأن تتحول إلى كنزاً اقتصادياً في المستقبل، حيث تضم القارة السمراء 54 دولة يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، أكثر من 70٪ من سكانها شباب، وتتمتع باقتصاد سريع النمو، وموقع جغرافي يحمل أهمية اقتصادية، بالإضافة إلى قربها من منابع الطاقة وممرات نقلها.
وعملت تركيا على إنشاء عدد كبير من لجان الشراكة الاقتصادية مع إفريقيا، أبرزها مجالس عمل مستقلة مع 35 دولة إفريقية و«منتدى الاقتصاد والأعمال بين تركيا وإفريقيا»، واجتماعات لوزراء الزراعة والصحة وغيرها، ومؤتمر «وزاري تركي إفريقي»، إلى جانب «قمة الشراكة التركية الإفريقية».
وتقدم تركيا دعماً سنوياً لصندوق الاتحاد الإفريقي كما تقدم دعماً إنسانياً واسعاً في العديد من الدول الإفريقية في مجالات الصحة والتعليم والغذاء، وتقوم بتطوير المرافق العامة في الكثير من الدول أبرزها الصومال التي بنت فيها تركيا مطارات ومستشفيات وطرق وجسور. وتقول تركيا إنها الأولى في تقديم المساعدات الإنسانية حول العالم مقارنة بحجم دخلها القومي.
هذه السياسة أثبتت نجاحها بشكل لافت مع ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول الإفريقية إلى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه في عام 2003 وهو تاريخ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، ليصل إلى قرابة 20 مليار دولار في عام 2017.
وبين عامي 2012 و2016 تجاوز حجم الصادرات التركية للدول الإفريقية 65 مليار دولار، وارتفع حجم التجارة معها إلى 93.5 مليار دولار. كما أن حجم التجارة السنوي بين تركيا والدول الإفريقية عام 2004 كان في حدود 5.6 مليار دولار، وبالمقارنة مع حجم التجارة عام 2016 نجد أنّ حجم التبادل التجاري ارتفع بنسبة 200 بالمئة، ليبلغ 16.7 مليار دولار.
ووسعت الخطوط الجوية التركية عملها في القارة الإفريقية، حيث تنظم رحلات إلى 51 نقطة في 33 دولة إفريقية، كما تستضيف تركيا أعداد كبيرة ومتزايدة من الطلاب الأفارقة في مدارسها وجامعاتها ضمن منح دراسية تقدمها لآلاف الطلاب كل عام.
أهداف عسكرية وإستراتيجية
يمكن اعتبار الصومال النموذج الأقرب للأهداف العسكرية التركية من هذا التقارب، فبعد أن قدمت تركيا دعماً مفتوحاً للصومال من أجل محاربة الفقر والمجاعة وبناء مطار ومستشفيات وتعبيد الطرق، عملت على تعزيز قوة الحكومة في مواجهة الجماعات الإرهابية هناك لا سيما جماعة الشباب المجاهدين.
ومن هذا المنطلق حصلت تركيا على الضوء الأخضر من أجل إقامة قاعدة عسكرية لتدريب قوات الجيش الصومال، لكن هذه القاعدة التي توسعت تدريجياً تحمل أهمية إستراتيجية كونها تطل على خليج عدن وتعتبر الصومال بمثابة بوابة القرن الإفريقي، وهي محاولة من قبل أنقرة لوضع قدم في القارة السمراء الذي تصاعدت التدخلات الدولية فيها في السنوات الأخيرة.
القاعدة التركية في الصومال، جاءت بعد أشهر من افتتاح القاعدة التركية في قطر والتي تطل على الخليج العربي، وسبقت الحديث عن احتمال بناء قاعدة عسكرية وميناء بحري عسكري في الصومال وهو ما أثير بقوة على هامش زيارة الرئيس التركي الأخيرة للخرطوم وتوقيع عدد كبير من الاتفاقيات المختلفة أبرزها تخصيص جزيرة سواكن الإستراتيجية لتركيا من أجل إعادة بنائها.
وعلى الرغم من نفي أنقرة والخرطوم إمكانية بناء قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن، إلا أن الاتفاقيات الأخيرة فتحت الباب أمام التمهيد لتواجد عسكري تركي على السواحل السودانية التي تتمتع بأهمية إستراتيجية كبيرة من حيث إطلالتها على البحر الأحمر ومقابلتها للسواحل السعودية ومجاورتها لمصر.
وفي إطار مساعي تركيا لتعزيز صناعاتها العسكرية والدفاعية في السنوات الأخيرة، تطمح أنقرة بأن تتحول الدول الإفريقية سوقاً هاماً لبيع منتجاتها العسكرية لجيوش هذه الدول وهو ما يفتح أفقاً اقتصادياً هاماً للشركات التركية التي طورت صناعاتها الدفاعية بشكل كبير وبالتالي يعزز نفوذ الدولة التركية في هذه القارة.