كلمة حنين للأم الغالية.. عصام عبد الهادي في العقل وفي الوجدان

حجم الخط
0

الأهل والأحبة..
ما أقسى أن يقف المرء في مثل هذا الموقف.. منذ أقل من خمسين يوما كنت أجلس في حضرة عصام عبد الهادي، والآن من منا الحاضر ومن الغائب؟
اسمحوا لي أن أستعير كلمات فقيد الكلمة محمود درويش: ‘غائباً آتي الى غائب، فلا أدري ان كنت هناك أم هنا، ولا أدري هل جسدي هو كلامي أم كلامي هو جسدي. ولكنني في الحالين غائب’.
كنت معها في لحظة الوداع القاسي، لم أفهم ما يجري، انه الموت يداهم في لحظة غير مفهومة، في لحظة اللا معنى، واللا لون واللا طعم واللا رائحة، ليس كما يصفون، رائحة الموت أطلّت، انه يهبط أو يصعد.. انه يحل علينا بدون أن ندرك ماهيته.. ومع أننا نعرفه حق المعرفة ممن شهدنا فراقهم، الا أنه جديد كل الجدّة عندما يقع، فما بالك وهو يصيب أغلى الناس.
الآن وانت يا أمي، أيتها الأم الكبيرة على مساحة الوطن السليب، تقفين هناك على بقعة في جنائن الخلد، معك بالتأكيد فكرتك ذات الأعمدة الثلاثة: الحرية والمساواة والعدل، ولا أقول: التحرير والاستقلال واقامة الدولة، لأنها كلها تحصيل حاصل. واذا كان المرشد هو المبدأ الأعمّ فلا يخطئ الانسان دليله أبداً، ووالله كانت دائما الحرية بمعناها الأشمل هي الدليل الذي لا يخطئ، والمساواة القائمة على أعمق فهم للتعددية وحقوق الانسان، والعدل الذي يقوم على انصاف الآخر قبل انصاف الذات. من هذه وتلك نبعت الفكرة الخالصة، التي هدتكِ الى الصواب في أحلك اللحظات، عند كل منعطف حاد كنت تختارين الموقف الجريء الذي لا يهادن، كانت المصلحة الوطنية الكبرى هي المنارة الهادية.
الأخوة والأخوات
ذكرت احدى صديقاتها ورفيقاتها: ‘فلسطين والاردن ناقصتان بعدها. لو كانت هنا لكنا عندها الآن من كل الفصائل والهيئات، نبحث عما نفعله ردا على ما يجري في سورية مثلا..
أما أنا فلم أجئ هنا الا لأحدّثكم عن النقص الذي يعتريني بفقدانها، وعن الفراغ الذي يملأ قلبي بغيابها. أذكر تماما كم كانت معي بالكثير من التفاصيل، وكم وكم… هي معي ومعنا الآن.. بروحها.. بالعبق الذي تفوح منه رسالتها ورسالة الحياة فيها.. هي من لا يليق أن نتحدث عنه بصيغة الغياب.
أنا الغائب وهي الحضور كل الحضور..
سأتحدث عن الوالدة.. الانسان، لقد كانت الأم والصديقة، كانت أول من أتحدث معه في الصغيرة والكبيرة. فاذا تساءلت في قضية صغيرة أو كبيرة، اذا بحثت عن مصطلح بالانكليزية أو بالعربية أسألها بدون تردد، واذا بحثت عن اعراب أو تفسير كلمة معقدة رجعت اليها، واذا نسيت مطلع قصيدة، أو عجز بيت شعر، أو بحثت عن تشبيه جميل قديم أو حديث عدت اليها، وهكذا الحال اذا لزمني تفسير موضوع اجتماعي، ثقافي..
أما في السياسة فلم نكن وحدنا من يسألها، لقد كانت عنوانا للكثيرين، لقد كانت استقلاليتها الوطنية الخالصة مدرسة في النظر للأمور، فالموقف عندها لم يكن شيئا قابلا لمساومات المصالح، ذاتية أو فصائلية، صغيرة أو كبيرة، انها المصلحة الوطنية العامة.. لا أكثر ولا أقل.
من ناحيتها هي، فقد كانت أحيانا ومن فرط التواضع تسأل وتوحي لك وكأنها لا تعلم، مع أنها في أغلب الحالات كانت خير من يعلم، بل وخير من لديه موقف، ومن المصطلحات التي سمعتها من الكثيرين ممن يعرفونها: ‘أخجلتنا بتواضعها’، وكان هذا ينطبق علينا في أسرتها الصغيرة، كم أحرجتنا وعلّمتنا بتواضعها.
بدأت حياتها العائلية عام 1947 بزواجها بعد المدرسة مباشرة، وبدأ نشاطها الاجتماعي السياسي في حينه بالاتحاد النسائي بنابلس في نهاية عام 1948، فلم تعيقها ولادة أخي الأكبر فيصل في ذات العام، وأصبحت أمينة سر الاتحاد في عام 1949 لقد نجحت بالتوفيق بين العمل والمنزل في كل المراحل.
كانت مسكونة بالهم الوطني العام، كان الاتحاد النسائي بقيادته المستنيرة من الحاجة عندليب العمد وزميلاتها في حينه، مقدمة لنشاط سياسي وطني كبير، فطموحها ورؤيتها لم يكونا بحدود العمل الاجتماعي الإغاثي على أهميتهما، بل كانت حدوده فلسطين كلها، الوطن العربي الكبير والمرأة بالمفهوم الانساني الأشمل، وهكذا بدأت الرحلة من المدينة القديمة في نابلس، التي تؤرخ لحضارة انسانية عميقة، لتصل الى العالمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لقد حملت خمسينيات القرن الماضي مخاضات سياسية وفكرية على كل المستويات، فقد شهد العالم العربي مدّا وطنيا كبيرا، وكانت فلسطين هي الأحوج للارتباط بهذا المدّ، لتستعيد ذاتها المسلوبة.
فجاءت الستينات تحمل معها خطر تغييب القضية الفلسطينية، وليبرز سؤال الهوية بأجلى صوره، فكانت عصام عبد الهادي من أول من تنادى لبناء هذه الهوية، وكان لها شرف التأسيس مع الرعيل الأوائل من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، بانية الهوية الفلسطينية بصورتها الحديثة، أحمد الشقيري، شفيق الحوت، يحيى حمودة، عبد الخالق يغمور، حيدر عبد الشافي و و و، نخبة من كبار نجوم فلسطين الحديثة، فكانت عضو اللجنة التأسيسية الأولى لمنظمة التحرير، وكانت عضو المجلس الوطني الفلسطيني الأول، وانتخبت بعد ذلك بما يشبه الاجماع رئيسة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، لتتوالى المسيرة، لقد كنت طفلا حينها ولكنني أذكرها في منتصف الستينات في المسيرات والمهرجانات، وأذكر تصفيق الجمهور لكلماتها فأطرب للتصفيق فلم أكن أفهم المعاني جيدا.
الى أن حلّ الاحتلال على نابلس كما القدر بأقسى صوره، فوقفت منذ اللحظة الأولى مع الواقفين في المواجهة، في المسيرات، في ساحات الفكر، ومع المعتصمين، الى أن اعتقلت مع شقيقتي فيحاء الاعتقال الثالث أو الرابع وأبعدت عن أرض الوطن الذي أحبّت، لتستكمل مسيرة النضال من أجل العودة.
لقد كنت محظوظا جدا بأنني عشت معها هذه الفترة، وكان لي فرصة أن أرى عن قرب كيف مرت سبعينات وثمانينات القرن الماضي، بكل تعقيداتها وملابساتها، حيث تبلورت الهوية الفلسطينية الحديثة وحققت م.ت.ف انجازها التاريخي، انجاز الهوية.. لقد كانت سنوات مليئة على كل المستويات، حروب وصراعات فكرية سياسية واحتراب داخلي. جبهة الرفض في السبعينات، وانشقاق الثمانينات وكيف كانت دائما عنصر وحدة وتوحيد، صلة وصل بين جبهة الرفض والاتجاه السائد في منظمة التحرير، عضو لجنة الـ18 الفاعل في انشقاق 1983، لقد كانت ترى أن ما يوحد أكبر مما يفرق وأن الخلاف لا يفسد للود قضية، فحافظت على علاقة متوازنة واحترام كبير لدى جميع الأطراف، من دون أن تتنازل عن مواقفها الثابتة.
في التسعينات، منذ عشرين عاما بالضبط، كانت أول العائدين من أول ابعاد تبع اعتقالها عام 1969، وكنت مرافقا لها، فكانت العودة رحلة عظيمة، استقبالا لا مثيل له لمجموعة من نساء ورجال فلسطين المبعدين الأوائل، معظمهم من المستقلين، المؤسسين الأوائل لمنظمة التحرير.
فرحَت حقا حين مشينا على الجسر، عبره الجمع مشيا على الأقدام من باب التقديس للحدث، ولكنهم للأسف لم يجدوا الماء المقدس للنهر تحت الجسر بعد أن صودر من منابعه.
وطأت قدماها أرض فلسطين، لم تأخذها الفرحة بعيدا، قالت لي: عدنا ولم نعد، ليس هذا هو الحلم الذي حملناه منذ بدأنا الرحلة، وتساءلت هل يمكننا أن نعاود البداية بعد هذا العمر، انها ليست رحلة العودة بقدر ما هي رحلة الى المجهول وفي المجهول، ولقد كبرنا على مثل هذه المغامرة، المعركة الجديدة نتركها لكم الشباب، وللمستقبل الذي أمامكم. ودعونا نواصل رحلتنا بالطريقة التي نعرفها. ان أملنا كبير وثقتنا بالمستقبل العربي الحر لا تهتز، ولكن لا حرية على مستوى فلسطين وحدها، ولن نتمكن وحدنا، من هنا وتحت قبضة الاحتلال من انجاز الكثير. عادت لتقيم في الأردن وفي امتداده العربي والعالمي، ولتمارس عملها بذات الهمة، بطريقتها الخاصة.
ولكن، وعلى طريقتها أيضا، الخلاف لا يفسد للود قضية، بقيت علاقتها مع القيادة الفلسطينية التي اختارت العمل من الداخل المحتل بطريقة تمزج الماضي بالحاضر، وتحاول تجاوز حاضر الاحتلال بمستقبل الأمل، بالتخلص منه بأسلوب جديد، لقد كانت مراهنة كلنا يعرف الآن، أين أوصلتنا.
ختاما
أنا الغائب وهي الحضور كل الحضور..
لقد تكلمت بلساني ولسان والدي حفظه الله قاسم عبد الهادي، الذي طلب مني أن أتكلم بالنيابة عنه وأن أشكركم جميعا على الحضور.

‘ أمسية تكريم جمعية عيبال
للمناضلة عصام عبد الهادي في 25 أيلول/سبتمبر 2013
” نجل الفقيدة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية