فاز بالدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي: «لا تلمسني» للرومانية أدينا بنتيلي ينفذ إلى عمق الروح عبر فهم الجسد

حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: في فيلمها «لا تلمسني»، الذي فاز بالدب الذهبي في المسابقة الرسمية في مهرجان برلين في دورته الثامنة والستين (15 إلى25 فبراير/شباط الجاري) تقدم المخرجة الرومانية أدينا بنتيلي فيلما متطلبا لا يهادن، يخترق نفس مشاهده ويثير فينا الكثير من التساؤلات، لأنه يأخذنا إلى تلك المناطق في الذات، التي لا نحاول الوصول إليها، حيث يسير بنا صوب معرفة أنفسنا ونوازعنا الدفينة وإلى اكتشاف علاقتنا بأجسادنا وإلى معرفة من نكون خلف هذه الواجهة التي نقدم بها أنفسنا للآخرين.
في «لا تلمسني»، وهو الفيلم الأول لمخرجته التي فازت عنه أيضا بجائزة مهرجان برلين لأفضل فيلم أول، تقف بنتيلي بين الوثائقي والروائي، فالفيلم يخترق الحاجز بين العالمين لتطلعنا مخرجته على أن الحقيقي ما هو إلا متخيل أيضا، فأجسادنا واقعية ملموسة، ولكن صلتنا بها وفهمنا لها في كثير من الأحيان متخيل، تتداخل فيه عوامل كثيرة من بينها المجتمع والأسرة والعلاقة بالأبوين والألم والخجل.
وفي الفيلم لا تسعى بنتيلي فقط إلى فهم الشخصيات الرئيسية في فيلمها، أو إلى سبر أعماق علاقتهم مع أجسادهم، بل تسعى أيضا إلى فهم نفسها، حيث تشارك هي أيضا في فيلمها، وتواجه ذاتها. تختار لنفسها أن تكون شخصية من شخصيات فيلمها، نراها في معظم الأحيان عبر شاشة صغيرة للكاميرا التي تنفذ عبر عدستها إلى شخصيات فيلمها، ولكنها أيضا ترتضي أن تكون في محل شخصياتها، وأن يُنظر إليها عبر العدسة الفاحصة للكاميرا. فيلم ذكي في تناوله للجسد وعلاقتنا به، أصيل وجريء في طرحه وتناوله، ومتماسك وصلب في طرحه وتنفيذه.
الأبيض هو اللون الغالب على صورة الفيلم، حيث يعم اللون الأبيض الخلفيات، وهو اللون الأعم لملابس الشخصيات الرئيسية. الأبيض لون هادئ صاف يخفي الألم النفسي لشخصيات الفيلم، أو ربما هو لون يهدف إلى تهدئة ألمهم النفسي وما يمور داخلهم من ثورة.
هم ثلاث شخصيات رئيسية، اثنان منها من الممثلين المحترفين، ولكنهما يبدوان كما لو كانا من شخصيات فيلم وثائقي تقدم شهادتها أو تكشف عن ذاتها. هو لبس متعمد بين الروائي والوثائقي، علّه يقصد إلى إطلاعنا على أننا جميعا في علاقتنا مع العالم نؤدي دورا ونرسم صورة نخفي بها ما يعتمل حقيقة في الداخل. وكما قال توماس، إحدى الشخصيات الرئيسية في الفيلم، إنه اكتشف أثناء التصوير أنه يقيم حاجزا بينه وبين العالم، ليس لصد العالم عن نفسه، ولكن لأن في داخله من الهشاشة الكثير، فلا يود أن يكشف هشاشته للخارج.
الشخصية الرئيسية الأولى في الفيلم هي «لورا»، التي تلعب دورها الممثلة لورا بنسون. ونظرا لهذا الشد والجذب في الفيلم بين الوثائقي والروائي، لا نعرف حقا ما إذا كانت بنسون تكشف شخصيتها الحقيقية، أو ما إذا كانت تلعب شخصيتها في الفيلم. لورا، كما تكشف لنا شخصيتها في الفيلم، امرأة خمسينية، نراها في مستهل الفيلم تنظر إلى شاب وسيم معها في الغرفة تتأمل جسده وتتأمله وهو يستمني دون أن تشاركه. تتأمله فقط وتسأله عن وشم يحوي كلمات بلغة لا تفهمها. ولكنه يرفض الإفصاح لها عن أهمية ما خطه على جسده بالنسبة له، فهو أمر شخصي.
يمثل هذا المشهد، حسبما نراه المغزى الرئيسي في الفيلم، فالفيلم يتناول الحميمية، ليس بمفهومها الجسدي فقط ولكن بمفهومها الروحي. قد لا يجد البعض غضاضة في الكشف عن أجسادهم للآخر أو مشاركتهم في فعل حميمي جسدي، ولكن هذا لا يعني أنهم يسمحون له بأن يكتشف أسرار روحهم أو النفاذ إلى أعماق نفسيتهم. وعلى النقيض، يمكن للبعض الآخر أن يشاركك في تفاصيل روحه ويأخذك إلى تفاصيل نفسيته، ولكنه يخشى التواصل الجسدي والتقارب الحميمي. وقد يكون لدى البعض مشكلة في التعاطي مع الجانبين الجسدي والنفسي من العلاقة مع النفس والآخر.
هذه العلاقة الملتبسة مع الجسد وبين الجسد والنفس والآخر هي محور فيلم «لا تلمسني». لورا تخشى القرب، القرب بجميع معانيه، القرب الجسدي والنفسي. تشعر بالخوف المصحوب بالغضب إن حاول شخص الاقتراب منها جسديا. في محاولة لفهم الذات تستعين لورا بمعالج جنسي وبامرأة من المتحولين جنسيا، يحاول أحدهما التصدي لخوفها من لمس الآخرين لها، بينما يحاول الآخر مساعدتها للوصول إلى تفضيلاتها الجنسية وما قد يشبعها. لا يسعى الفيلم إلى التلصص على الحياة الجنسية لأبطاله ولا يصورها بدافع الاقتحام أو التطفل أو إرضاء لفضول، بل يحاول فهم الإنسان وعلاقته بجسده. قد لا ينفذ الفيلم بنا إلى أعماق الغضب الكامن داخل لورا أو إلى أسباب خوفها من الحميمية، ولكنه يُلمح إلى أن ذلك الغضب له صلة بوالدها. قد يرى البعض أن الفيلم يركز على الأعراض ولا يركز على الأسباب النفسية، ولكن بونتيلي اختارت لفيلمها أن يركز على الجسد ويفهم صلتنا به.
ولعلّ أكثر شخصيات الفيلم تأثيرا وأكثرها تصالحا مع الجسد وفهما له ولتأثيره هو كرستيان بايرلين. كرستيان هو قلب الفيلم النابض، وهو الأقرب إلى قلوبنا كمشاهدين. وُلد كرستيان مصابا بضمور في العضلات، ذلك المرض الذي أقعده تماما عن الحركة، ولكنه لم يحد من قدراته الجنسية، ولا من تواصله الروحي مع الآخرين ولا من قدرته على الحب. يقول كرستيان إنه في طفولته كان يتخيل نفسه مجرد عقل بلا جسد، مجرد عقل يحمل من مكان إلى آخر وجسم ضامر مريض. ولكن هذه النظرة تغيرت عندما اكتشف الجنس، وأن لديه رغبات وقدرات جنسية. منحه هذا الاكتشاف تفاؤلا وتصالحا مع الحياة ومع الجسد وقدرة على التواصل مع الآخرين. مكنته رحلته مع جسده من اكتشاف أن الحياة منحة وأن جسده منحة. يتحدى الفيلم نظرتنا للجسد «المعاق» أو المختلف، فقد يبدو لنا كرستيان كما كان يرى نفسه في السابق، مجرد عقل بلا جسد، ولكننا نخرج من الفيلم بمنظور مغاير لكرستيان. نراه كما نرى أنفسنا جميعا، بعقل وجسد ومشاعر.
ننظر إلى عيني كرستيان، فنرى فيهما الكثير من الجمال والهدوء والصفاء والاتساق مع الذات، ونسمع حديثه فتهدأ مخاوفنا نحن أيضا إزاء أجسادنا. نرى علاقته مع شريكته في الحياة وحبيبته، فنود لو أننا حظينا على علاقة على مثل هذا القدر من التفاهم والتناغم والإشباع.
الشخصية الرئيسية الثالثة في الفيلم هي توماس (الممثل الأيسلندي توماس لاماركيز). ولد لامركيز أمهق اللون والبشرة. فقد شعر رأسه تماما في الثالثة عشرة من العمر، ورغم تخطيه هذه الفترة من العمر بسنوات طويلة، إلا أن الألم النفسي الناجم عن اختلافه الجسدي وفقدانه لشعره في المراهقة، أحدثا فيه تأثيرا نفسيا بالغا، جعلاه يقيم الحواجز حول ذاته ويخشى الاقتراب من الآخرين. عبر رحلته في الفيلم وعبر لقائه بكرستيان، الذي كان شريكا له في جلسات للعلاج النفسي، يسير توماس في طريقه صوب التعافي النفسي، ويخطو خطوات حثيثة نحو العثور على من كان يحبها سابقا ولم يستطع التقارب معها قط.
لا يخشى الفيلم من اكتشاف الأجساد واستكشافها ولا استكشاف الجنس. وكما تقول المعالجة الجنسية للورا «لا يوجد ما يوصف بالعجيب أو السقيم في السلوك الجنسي الإنساني»، ويسعى بنا الفيلم إلى فهم ذلك، وإلى فهم أن ما نجده غريبا هو في الواقع سبيل البعض للتواصل مع أجسادهم وأرواحهم والتواصل مع الآخرين. هو فيلم يأخذنا في رحلة داخل عالم العلاقات الجسدية، ومن بينها العلاقات السادية والمازوكية، وعلاقات تعذيب الجسد، ولكنه لا يصورها بعين المتلصص أو المدين، بل بعين الراصد المتفهم. هو فيلم يدخل في سجال مع مشاهده ليجعله يتساءل عما إذا كان حقا يعلم ماهية نفسه ومدى تواصله مع نفسه ومع الآخرين من حوله. يدفعنا الفيلم إلى تغيير نظرتنا إلى أجسادنا وأجساد الآخرين، ويدعونا لإعادة تقييم كلمات مثل «جميل» أو «جذاب» أو «مرغوب».

فاز بالدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي: «لا تلمسني» للرومانية أدينا بنتيلي ينفذ إلى عمق الروح عبر فهم الجسد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية