زيارة روحاني: اوباما اظهر الضعف اولا

حجم الخط
1

قبل ثمانية عقود صدر عن وزير الخارجية الامريكي هنري ستمسون مبدأ عدم التدخل بالفعل في الشرق الاقصى، الذي استمد منطقه من توجه التمايز العام الذي كان يميز السياسة الامريكية الخارجية في الفترة بين الحربين العالميتين.
واليوم في فترة ما زالت فيها الولايات المتحدة تعتبر القوة العظمى المهيمنة، التي يفترض أن يكون تأثيرها ومدى مصالحها شاملين للعالم، يريد العم سام أن ينطوي بقدر المستطاع داخل الفضاء الامريكي، وأن يضائل في الآن نفسه تدخله العسكري في مراكز ازمات وتهديد الى أدنى قدر.
ورغم أن ‘مبدأ اوباما’ الذي رسمه بدقة كبيرة في خطبته في الجمعية العمومية للامم المتحدة في الاسبوع الماضي، ليس تكرارا دقيقا كاملا لعشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، فان معانيه في ميدان الشرق الاوسط تثير من هوة النسيان ذكرى مبدأ ستمسون البائس، الذي هو مبدأ التنحي جانبا.
اذا أسقطنا عن خطبة اوباما غلافها البلاغي، تظهر لنا نسخة معدلة مُحدثة من ‘مبدأ ستمسون’ لكن في الشرق الادنى لا في الشرق الاقصى. قُبيل بدء محادثات القوى الكبرى الخمس (مع المانيا) مع ايران في القضية الذرية، برهن الرئيس الامريكي على أن خزان سلاحه فارغ، وأن القيود على مجال عمله الاستراتيجي قد تجعل ‘اسباب الحرب’ التي أبرزها بكلامه ليست أكثر من شيك بلا رصيد.
إن السابقة التي أحدثها أخيرا في المجال السوري لن تمنعه فقط من كل اجراء، حتى حينما تُجتاز الخطوط الحمراء التي خطها في ميادين اخرى، بل عاد اوباما نفسه وأكد في خطبته قيود القوة الامريكية وضرورة العمل في أطر دبلوماسية متعددة الأطراف، بدل استعمال القوة من طرف واحد. وهكذا نشهد انحرافا بارزا عن مسار سلوك العملاق الامريكي منذ أن تبوأ مكانه لاعبا أعلى في الساحة الدولية.
وفي حين كانت تعبر مبادئ رئاسية سابقة كمبدأ الرئيس ترومان في سنة 1947 ومبدأ آيزنهاور في 1957، عن التزام واسع للتدخل على أساس قيمي واخلاقي، وعلى أساس استراتيجي، فان خلاصة ‘مبدأ اوباما’ هي تفسير بليغ للاسباب والظروف التي لم يعد يستطيع بسببها الصقر الامريكي أن يحمل وحده عبء القيادة العالمية. وهكذا بعد أن قدم البيت الابيض الى المجتمع الدولي رسالة تخليه عن الهيمنة طوعا، خرج فورا في طريق المسار الدبلوماسي المتعدد الأطراف مع ايران. وقد وقف اللاعب الامريكي ازاء طهران، التي أرهقتها سياسة العقوبات المتغلغلة المؤلمة، وليس في جعبته حتى عصا صغيرة واحدة لأجل الردع أو العقاب.
تضرر الردع والقدرة على العقاب، لأن الخيار العسكري تهاوى على جانب الطريق وصُد بالفعل، باعتبار ذلك اشتقاقا مباشرا من ‘مبدأ اوباما’. ويمكن أن نرى تعبيرا حسيا عن هذا الضعف خلال زيارة رئيس ايران حسن روحاني لنيويورك. فرغم أن الوضع كان يفترض أن يكون غير تماثلي في جوهره، لأن روحاني هو في موقف ضعف بسبب العقوبات المستمرة وتأثيرها في الاقتصاد والمجتمع في ايران، كان اوباما هو الذي أظهر الضعف أولا بالفعل.
وقد كشف الرئيس الامريكي، فضلا عن رسالة المصالحة التي نقلها بخطبته، عن حماسة زائدة للقاء نظيره الايراني ولو لتبادل حديث على هيئة ‘لقاء أو نصف لقاء’. أما روحاني في مقابل ذلك فقد اختار رغم خطبته المعتدلة، ورغم الهجوم السلمي الذي قاده استراتيجية ‘من يصعب الوصول إليه’. وهكذا فضل ألا يشارك في حفل كان سيضطره الى مصافحة ‘الشيطان الأكبر’ قبل الأوان، واكتفى بدل ذلك بمكالمة هاتفية مع اوباما. يبدو أن الرئيس الرابع والاربعين لم ينجح بعد في التحرر من قيود التراث الامريكي الذي يجعل للقاءات القمة تأكيدا زائدا، وذلك عن اعتقاد أن الاتصال المباشر بين الزعماء يفضي الى التحطيم فورا لأسوار العداء والشك بين الأمم.
يمكن أن نأمل فقط أن يُحكم على ايران، رغم هذا الضعف الرئاسي، ورغم موجة النشوة التي أصابت واشنطن وشريكاتها في الغرب الآن، أن يُحكم عليها على أساس أنشطتها المحددة، في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم لا على أساس حلاوة كلام قادتها.

ابراهام بن تسفي
اسرائيل اليوم 29/9/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية