إنها الـكونفيدرالية يا أفينري

حجم الخط
0

شلومو أفينري يهاجم فكرة الكونفيدرالية من أجل التوصل إلى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. «الكونفيدرالية ليست الحل»، هآرتس، 14/2). افينري يعتقد أن الفكرة هي فكرة هستيرية، ويفترض أن من يطرحونها لا يعرفون الفرق بين الفيدرالية والكونفيدرالية. وهو يقول إن الكونفيدرالية ستؤدي إلى «حرب أهلية مستمرة». حسب رأيه فقط الفصل الكامل يمكنه أن يكون أساسا لحل النزاع.
قبل الرد على هذه الأقوال، إليكم حقيقة واضحة: بين نهر الأردن والبحر يعيش بصورة مختلطة إسرائيليون وفلسطينيون، يهود وعرب؛ داخل إسرائيل السيادية، في القدس وخلف الخط الأخضر، اقتصادهم مختلط وأيضا حياة العمل والتجارة. يمكن أن نكون مسرورين من هذا الخلط، ويمكن أن نخاف منه، لكن لا يمكن تجاهله. هذا الخلط سيستمر، أيضا حتى لو تم تحقيق اتفاق حسب نموذج الفصل التقليدي، حيث أنه إذا وجدت أي حكومة إسرائيلية القوة السياسية لإخلاء حوالي 100 ألف يهودي من الضفة الغربية، فسيبقى حوالي مليون ونصف عربي فلسطيني داخل حدود دولة إسرائيل. منذ الآن يقترح أفيغدور ليبرمان «فصل أم الفحم عن إسرائيل». هل بعد الاتفاق ستكون حاجة لفصل الناصرة عن الناصرة العليا وفصل بئر السبع عن رهط.
في القدس الوضع أكثر تعقيدا. فحتى لو قاموا بفصل الأحياء العربية عن الأحياء اليهودية في المدينة فستبقى مشكلة البلدة القديمة. وحتى أتباع الفصل لا يقترحون إقامة حواجز وجدران فيها. 50 ألف شخص من سكان المنطقة المكتظة والحساسة هذه، عرب ويهود، متطرفون ومعتدلون، يجب عليهم التعايش معا في أزقة المدينة، تحت رقابة دولية ما. إذا لم يكن بالإمكان إيجاد فصل في قلب النزاع، فكيف سيكون ذلك ممكنا في كل النزاع؟.
ليس صدفة أن الوعي يزداد، أن الفصل بواسطة حدود مغلقة ليس حلا للنزاعات الاثنية ـ القومية. التاريخ يعلم أن الفصل في الهند وإيرلندا ويوغسلافيا سابقا ولدت العنف والتهجير، وليس السلام والتصالح. النماذج التي أدت إلى إنهاء العنف في شمال إيرلندا وفي البوسنة والهرسك قائمة على دمج تقرير المصير مع مشاركة جماعات عرقية مختلفة في الحكم.
نحن في الحركة الإسرائيلية الفلسطينية «أرض للجميع»، نذهب بالضبط في هذا الاتجاه. من الواضح لنا أنه إلى جانب تقرير المصير لكل شعب في دولته الخاصة، هناك حاجة إلى لبنة هامة هي المشاركة. لم نخترع أي شيء. قرار التقسيم الذي باركته الحركة الصهيونية في تشرين الثاني 1947 اقترح بالضبط نموذج كهذا: دولتان مع اتحاد اقتصادي، والقدس هي إقليم ذات حكم خاص. نحن نسمي هذا الحل «دولتين ووطنا واحدا».
الكونفيدرالية حسب أفينري تقوم على دول سيادية لها حدود واضحة وعدد من المؤسسات المشتركة. هذا هو النموذج الذي نؤيده، سواء كان اسمه كونفيدرالية أو أتحاد أو عصبة أمم إبراهيمية. دولتان مستقلتان في حدود واضحة على طول حدود 1967، أي إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، لها قوة عسكرية وعلم ونشيد وممثلية في الأمم المتحدة.
أفينري بحث ولم يجد اليوم في العالم أي كونفيدرالية، لكن نظرته انتقائية ومتحيزة، هو يقفز عن نماذج ناجحة مثل بولندا وليطا والسويد والنرويج، ولفترة قصيرة صربيا والجبل الأسود. أيضا إذا كانت تلك الفيدراليات قد تفككت في نهاية الأمر فقد تم ذلك دون عنف. البنية الفيدرالية ساهمت في تهدئة الانقسامات ونقلها إلى مسارات سياسية وقانونية. إن عمى أفينري يظهر بشكل خاص إزاء النموذج البارز للاتحاد الأوروبي، سواء كان الاتحاد يعتبر كونفيدرالية أم لا، فإنه يعمل بصورة مشابهة جدا للنموذج الذي نقترحه: دول مستقلة مع حدود مفتوحة، حرية حركة ومؤسسات مشتركة. سنوات عديدة بعد الخراب الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، فهم مؤسسو الاتحاد أن السلام في أوروبا يمكن تحقيقه عن طريق الشراكة وليس عن طريق الفصل. هناك مشكلات في الاتحاد الأوروبي، لكن لا يوجد خلاف على أنه حقق السلام الأطول الذي عرفته القارة منذ مئات السنين.
الكونفيدرالية أو الاتحاد، مثلما يكتب أفينري، يجب أن تشمل حرية الحركة وحدود مفتوحة. معنى ذلك أن الإسرائيليين يمكنهم العيش في فلسطين كمواطنين إسرائيليين وسكان فلسطينيين. والفلسطينيون يمكنهم العيش في إسرائيل كمواطنين فلسطينيين وسكان إسرائيليين. حسب حلنا، حرية الحركة هذه ستتطور بالتدريج وبصورة متفق عليها من أجل أن لا تؤدي إلى ضعضعة استقرار الدولتين. هذا أيضا ما حدث في الاتحاد الأوروبي. يوجد لهذا النموذج، خلافا لما يدعي أفينري، تأييد واضح من الطرفين. حسب الاستطلاع الذي أجراه د. خليل الشقاقي ود. داليا شاندلاين قبل سنة، أيد هذا النموذج 24 في المئة من الإسرائيليين، والآن يؤيده 33 ـ 39 في المئة وحوالي 70 في المئة من العرب. الزيادة في التأييد لدى اليهود واضحة في كل الأوساط ـ اليسار واليمين والوسط.
أجل، هناك تحديات أمام هذا النموذج. أفينري أشار إلى بعضها: الفجوة الاقتصادية والفروق بين نظامي الحكم. في وثيقة المبادئ الخاصة بنا كتب أن الدولتين ستكونان ديمقراطيتين وستحترمان حقوق الإنسان، مثلما عُرف في القانون الدولي. الحديث لا يدور فقط عن صورة رسمية، من يتابع عن قرب السياسة الفلسطينية يعرف أنه يوجد فيها بذور ديمقراطية واضحة، ويمكننا التخمين أن الارتباط بإسرائيل سيسرع بصورة جوهرية هذه العملية.
أمر مشابه يمكن قوله عن الفجوة الاقتصادية. ليس هناك ضمانة بأن الكونفيدرالية ستكون دواء سحري للاقتصاد الفلسطيني، لكن نموذج غزة علمنا أن الفصل الحاد هو وصفة مؤكدة تقريبا لتعميق الفقر في الطرف الفلسطيني، هذا بالتأكيد ليس وصفة للاستقرار.
من داخل ظلام الواقع من الصعب تصور مستقبل مختلف. الحل الكونفيدرالي مندمج برواية جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل من الشعبين بعلاقة الشعب الآخر بالوطن جميعه. حوالي 25 سنة بعد اتفاقات أوسلو هناك حاجة للتعبير عن نزاهة فكرية للاعتراف بأن فكرة الفصل التام ليس فقط لن تحقق الاتفاق، بل تحت غطائها تعمق الاحتلال والنزاع، وقد حان الوقت للتحرر منها.

هآرتس 27/2/2018

 إنها الـكونفيدرالية يا أفينري
لقد أثبتت 25 سنة من اتفاقات أوسلو أن الفصل التام لم يحقق أي حل بل عمق الاحتلال والنزاع
ميرون ربابورت وليمور يهودا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية