القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: فكرة التواصل الفني مع الجدران (الحيطان) تبدو جيدة، لكل ما تمثله الجدران وما تحمله من دلالات. فالجدار دوماً يمثل حالة من حالات التواصل، من خلال التدوين، الذي لا يخلو منه جدار في مصر، الجدران في مصر تمثل وتحدد مناخاً عاماً في لحظة ما ــ الأمر لا علاقة له بالغرافيتي ــ من الممكن أن تجد عبارات الدعاية لطبيب أو مدرس، وبالتأكيد عبارات الحب لشخص بعينه، سيمر أمام هذا الجدار، وصولاً إلى السِباب والتعليق على الأوضاع السياسية والاجتماعية. من هنا تأتي أهمية أن يكون الجدار هو نموذج المعرض الـ(32) لفناني (اللقطة الواحدة)، الذي اشترك فيه (47) فنانا، وأقيم في مركز سعد زغلول الثقافي في القاهرة.
فكرة اللقطة الواحدة
تبدو فكرة (اللقطة الواحدة) من الأفكار المتميزة في مجال الفن التشكيلي المصري، حيث تتيح للعديد من المواهب الفنية، بدون شرط الانتساب إلى إحدى الكليات الفنية، بممارسة الفن والاستفادة من بعض التوجيهات والإرشادات الأكاديمية، أي أنها ليست قاصرة على طلبة وخريجي كليات الفنون. من جهة أخرى تبدو أهمية نتاج هذا العمل في عرض الأعمال في معرض عام، حتى يستطيع هؤلاء الفنانون من التواصل مع الجمهور والمتلقين، وكسر فكرة الرهبة من عرض أعمالهم الفنية. وبالفعل تظهر بعض التجارب اللافتة، والتي تنم عن مواهب حقيقية في الفن التشكيلي. ويتم العمل من خلال مشروع اللقطة الفنية، بالاتفاق حول مكان معين، أو شيء من البيئة المصرية ومظاهرها كعربة الفول أو إحدى الحارات الشعبية في أحياء مصر القديمة، حيث الطابع الأثري للمكان، وما يمكن أن يوحي به لفنانين في مقتبل تجربتهم الفنية. يُذكر أن المشرف على المشروع هو الفنان عبد العزيز الجندي أحد الأكاديميين وعضو هيئة التدريس في كلية الفنون الجميلة.
لقطة واحدة أم رؤية واحدة؟
ولكن إلى أي مدى كان التوجيه والإرشاد الأكاديمي قيداً على هذه الأعمال ومخيلة أصحابها؟ وإلى أي مدى حاول بعضهم الانفلات من أسر الرؤية الواحدة؟ فليس معنى أن تقوم مجموعة من الفنانين بتصوير شيء محدد، أن نجد استنساخاً للمادة التي يقومون بتصويرها. وهو ما يمكن أن نتلمسه عن طريقة تدريس الفنون في الكليات والمعاهد الفنية، فإن لم تأخذك قدماك إلى الطريق نفسه، الذي في نهايته يقف معلمك، فستلاحقك تهمة الضلال، ولك طول العُمر حتى تنفض عنك ما تعلمته وتصبح أنت في النهاية، وهي بالطبع رحلة صعبة وغير مأمونة، يضيع فيها الكثيرون.
الحيطان وعوالمها
عبر أساليب فنية وتقنية متباينة، وكذا خامات مختلفة، جاءت التجارب/الأعمال الفنية، التي استلهمت واستوحت حياة الجدار، ويبدو التباين في التناول، إلا أن الكثير من الفنانين بدوا أنهم خضعوا لإرشاد أو توجيه أكاديمي أكثر من المفترض في مثل هذه الحالات ــ الجميع في شارع حقيقي وأمام جدار حقيقي وبعيد عن عالم الجامعة وقيوده ــ فهناك العديد من التكرارات في اللوحات المختلفة، وكأنها موصى بها أن توضع في اللوحة، فابتعد الأمر عن حالة الاستلهام إلى التجسيد المباشر، حتى أن هناك بعض الأعمال نلحظ من خلالها حالة التردد ما بين الاستلهام والتجسيد، لتغرق في البين بين هذا وذاك، وتفقد الكثير من قدرتها على التواصل والمتلقي. نلمح أيضاً التباين ما بين فعل التصوير (التشكيلي) ومسألة تزيين الجدران، والفارق شاسع بالطبع. لكن هذا لا يقلل من قيمة التجربة، ووجود بعض الأعمال اللافتة التي تبشر بمواهب جديدة، نذكر منها على سبيل المثال، أعمال كل من إسراء ريان، أميرة ممدوح، سميرة طه، فاتن علاء، فاطمة جلال، ماريا محب، محمود طاهر، مروة محمود ونشوة صالح.