عملية التنظيف التي ستحسم مصير آلاف الفلسطينيين

حجم الخط
0

يوم الثلاثاء 13 شباط كان يوما ماطرا، في هذا اليوم جاء دور قرية بيت عوا في الخليل للمشاركة في عملية التنظيف التي أعلنت عنها السلطات الإسرائيلية. مئات الشباب بأعمار 20 ـ 25 تجمعوا من الساعة السادسة صباحا في حاجز ترقوميا خلف قضبان فحص الذين سيدخلون إلى إسرائيل. عامل فلسطيني يعمل في الإدارة المدنية، يحمل بطاقة معلقة في عنقه، قام بجمع بطاقات الهُوية ونقلها إلى المكاتب التي تقع خلف مسار الخروج المليء بالقضبان الحديدية والبوابات الدائرية. أربعة جنود مسلحين وقفوا بجانب موقع الفحص لمنع مئات الشباب من الدخول إلى الداخل.
الاسم الرسمي هو «عملية لرفع المنع الأمني»، ولقبها «عملية تنظيف»، وهذا الاسم ينبع من لغة الحواجز وسياسة منع الحركة. «أنت نظيف»، هكذا اعتاد جنود الإدارة المدنية أو رجال الشباك على تسمية من لا يظهر الحاسوب الذي أمامهم أن هناك أسبابا تمنع إعطاءه تصريح خروج. حسب الفلسطينيين كلمة «نظيف» تفقد معناها القيمي وتتحول إلى مصطلح تقني مجرد. الشخص الذي اعتبر نظيفا يستطيع البدء في المسار البيروقراطي لتقديم طلب للحصول على عمل في إسرائيل، أو تصريح خروج كتاجر.
في الأشهر الأخيرة سكان فلسطينيون ممنوعون من دخول إسرائيل أو السفر إلى الخارج يتم استدعاؤهم إلى مكاتب التنسيق والارتباط ويطلب منهم تسليم بطاقات هُوياتهم للفحص مجددا. الاستدعاء يتم بطريقتين: في المداهمات الليلية للقرى يقوم الجنود بإلصاق بيانات مطبوعة باللغة العربية أو تركها خلفهم، وفيها تاريخ العملية ومكانها. بيانات مشابهة يتم نشرها أيضا في الفيس بوك باللغة العربية في صفحة منسق أعمال الحكومة في المناطق. في بيت عوا عرف السكان عن العملية في ليلة السابع من شباط. ومن لم يسمع الجنود (هناك من قالوا إنهم استيقظوا على صوت قنابل الصوت التي أطلقها الجيش عند دخوله)، ومن لم يشاهد البيانات التي ألصقها الجنود على النوافذ أو تركوها في المسجد، فقد شاهد نسخة عنها نشرت خلال دقائق على الشبكات الاجتماعية. وقد كتب في الإعلان: «عملية رفع المنع الأمني ستستمر في المنطقة وفقا لعدم تورط السكان في الأعمال الإرهابية ورشق الحجارة وإلقاء الزجاجات الحارقة».
في نفس يوم الثلاثاء الماطر والبارد في ترقوميا، العامل الفلسطيني في الإدارة المدنية أعاد بطاقات الهُوية الخضراء لأصحابها في عدة جولات، من الساعة 12:30 وحتى الساعة 5:00.
الهُويات الأولى التي أعادها أعلن عنها «نظيفة»، أعين من حصلوا عليها امتلأت بالدموع، والآخرون باركوا لهم وانتظروا دورهم. لغة الحواجز زادت. «الآن هو يقوم بتوزيع الهُويات الوسخة»، تهكم بعض الأشخاص من أجل إخفاء خيبة أملهم وحزنهم. أو قالوا «يجب علينا الاستحمام». وكان هناك أيضا تشويش كبير: إلى أن وصل عدد من الهُويات إلى الهدف، أصحابها لم يعرفوا بعد إذا كانت الهويات نظيفة أو وسخة. عملية مشابهة في مكتب التنسيق والارتباط في غوش عصيون تم فيها إعادة الهويات النظيفة مع بطاقة معينة، هذا ما قاله أحد سكان قرية من الخليل، الذين تم استدعاؤهم إلى مكتب الارتباط. هنا في ترقوميا ـ لا.
«العملية هي مبادرة للشباك»، قال للصحيفة مصدر في الإدارة المدنية، «نحن فقط نقدم مساعدة لوجستية». من أفلام قصيرة في صفحة الفيسبوك لمنسق أعمال الحكومة يمكن الحصول على الفحص الأولي لبطاقات الهُوية، وأمام شاشات الحاسوب يقوم بذلك جنود الارتباط. من الصفحة أيضا يمكن الاستنتاج أنه تم استدعاء سكان من عشرات القرى الفلسطينية من أجل هذه العملية.
من الشباك قيل للصحيفة إن «الخطوات التي تم اتخاذها في السنة الأخيرة، والتي هدفت إلى فحص إمكانية رفع المنع الأمني عن سكان الضفة الغربية للدخول إلى إسرائيل، تقرر رفع المنع عن مئات الفلسطينيين الذين يعيشون في مناطق جغرافية شخص فيها انخفاض في الأعمال الإرهابية. استنادا إلى تقدير الوضع الاستخباري والأمني وبعد فحص معمق للمعلومات القائمة بشأن مقدم الطلب». التقدير المسبق بأن الأمر يتعلق بمئات، يتفق مع استنتاج من اجتازوا العملية. معظم المتوجهين ـ احتمالاتهم ضعيفة، حيث أن عدد المجتمعين في مكاتب الارتباط المختلفة لساعات طويلة تصل إلى عدة آلاف.
«يقومون بتصنيفنا مثل البندورة، يأخذون القليل ويرمون الأغلبية»، قال أحد الأشخاص الذي عرف نفسه باسم يوسف مسالمة (48 سنة). تدريجيا وعلى طول ساعات الانتظار الطويلة روى قصته. يقفز من الخلف إلى الأمام ويعود. يدمج كلمات من العبرية والعربية، يؤكد على أقواله بحركات اليد وملامح الوجه المختلفة، ينتقل من تحليل الوضع السياسي والاجتماعي إلى ذكر جزئية من سيرته الذاتية. «كل شخص هنا هو قصة، أدخلي إلى كل بيت في بيت عوا وستجدين فيه عشرة أولاد، تسعة منهم نائمون.
لماذا؟ لأنهم جميعا ممنوعون من الشرطة أو الشباك، فقط واحد يعمل، لم يبق لنا أي شيء، حتى المال من أجل تطهير الولد لا نستطيع دفعه. أنا مدين بـ 300 شيكل للشيخ وزوجته، لأن إبني الصغير يذهب إلى روضتهم، في البلدية يطلبون مني دفع رسوم الكهرباء والماء، وأنا ليس لدي ما أدفعه، هل ترين هذا الشيكل؟ عندما يكون معي أعطيه لابني موسى كي يشتري شيئا في المدرسة، وعندما لا يوجد لدي هو يبقى في البيت.
«أنا ممنوع أمنيا منذ ثلاثين سنة، من الانتفاضة الأولى، فتح كانت تسري في عروقي. اعتقلت سنتين في كتسيعوت، وتمت إدانتي على رشق الحجارة، لكن في الأساس، قمت بتعليق أعلام فلسطين، حيث كل العالم يعرف أننا نريد الحرية. كان ذلك جريمة خطيرة. اليوم توقفنا عن التفكير بالأحزاب. اليوم يفكرون فقط بمصدر الرزق. حيث أنه لا يوجد أحد ينظر إلينا. الآن أنا أقوم بقطع يد ابني إذا رشق حجرا».
في السلطة الفلسطينية وفي أجهزة الأمن الفلسطينية لا يحبون هذه العمليات ولا يشاركون فيها. حسب رأيهم الفحص إذا كان يمكن رفعه يمكن أن يتم ذلك عن طريقهم. ومنذ البداية كان ذلك سبب إنشاء هذه الأجهزة في إطار اتفاقات أوسلو: منع الاتصال المباشر بين مواطن فلسطيني والسلطات الإسرائيلية.
رد الشباك على هآرتس يتضمن جانبين: تفهم أهمية العمل في إسرائيل بسبب إضرارها بالاقتصاد الفلسطيني ونية مواصلة التحكم بالفلسطينيين عن طريق العمل. «هدف هذه الخطوات هو تمكين نسيج حياة سليم لإجمالي السكان الفلسطينيين والعمل على تحسين ظروف حياتهم، لكن في نفس الوقت يتوقع أن يظهر السكان مسؤولية للحفاظ على الهدوء في المنطقة، ومن ذلك الامتناع عن الإخلال بالنظام ومحاولة المس بأمن المنطقة.

هآرتس 28/2/2018

عملية التنظيف التي ستحسم مصير آلاف الفلسطينيين
المئات منهم يقفون تحت الأمطار على أمل أن يقوم الشاباك بفتح إمكانية العمل لهم
عميره هاس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية