صنعاء ـ «القدس العربي» ـ من أحمد الأغبري: ضحايا الحرب الحقيقية في اليمن ليست ما تنقله نشرات الأخبار عن المعارك والغارات، بل هي في تداعيات تلك الحرب والحصار على حياة الناس وما تكرّسه من معاناة قاسية تقتل يومياً الكثير ممن يرحلون بصمت، جراء نفاد طاقات احتمالهم للوجع الذي صار ينهش كل شيء هناك.. إذ شهد اليمن خلال ما مضي من سني الحرب رحيل كثير من أعلامه ورموزه في مختلف المجالات، وآخرهم رحيل أحد رواد التشكيل اليمني الفنان فؤاد الفُتيح (1948-2018)، الذي سلّم روحه للموت يوم الأربعاء، وغادر الدنيا مُخلفاً تراثاً زاخراً من خلال لوحة برز فيها صاحب تجربة تشكيلية يمنية رائدة وفريدة في علاقته الحداثية بالتاريخ عبر وعي مختلف بالتراث والهُوية اليمنية. هو من جيل التشكيليين المؤسسين في اليمن، ومن أوائل النحاتين اليمنيين، كما استطاع في تجربته بالحبر الصيني، ومن ثم تجربته من خلال فن الغرافيك ومن ثم في تجربته اللونية أن ينسج لوحة خاصة عبّرت عن علاقته المختلفة بتراث بلاده الذي استلهم خصوصيته الثقافية، وعبّر عنه بلغة حداثية؛ وتلك الخصوصية بدأت معه في مرحلة متقدمة في تجربته.
على صعيد الهُوية كان الفنان الفتيح من أوائل الفنانين اليمنيين الذين اشتغلوا عليها تشكيلياً من خلال وعي معاصر بالأصالة يوازيه ايمان بمهمة التشكيل في محاورة كل منهما على طريق إنتاج لوحة يمنية جديدة… وهو ما كان يعيه الفُتيح واشتغل عليه من خلال مشروع خاص ظل يتكرس حتى أصبحت لوحته، خاصة تلك التي قدمها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تشكل إضافة نوعية للتشكيل اليمني موضوعياً وفنياً؛ متميزاً فيها بقدرته على إعادة اكتشاف واستلهام باطن المنظور التاريخي وتقديم لوحة جديدة بلغة يقرأها العالم. وهنا استطاع أن يقدم تجربة متميزة تجاوزت ما كانت عليه علاقة زملائه بالتراث؛ فكانت لوحاته قراءات موضوعية للتاريخ من خلال تجارب فنية معاصرة، تعبر عند مدى إيمان الفنان برسالية علاقته بالفن تعبيراً عن موقف من الحياة والتزام تجاه ثقافة المحيط.
درس الفُتَيح الأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة، والاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، ونال دبلوم دراسات عليا في الفنون الجميلة في «أكاديمية دوسلدروف للفنون» في ألمانيا مستهل سبعينيات القرن الفائت، وعلى الرغم من دراسته وإقامته في الغرب لسنوات حيث أقام هناك أول معرض تشكيلي له خارج اليمن خلال دراسته في ألمانيا عام 1973م؛ إلا أنه لم يخضع للاستلاب وبقي محافظاً على هُويته في لوحته، ولعل معايشته للمدارس الأوروبية فتحت له آفاقا جديدة للبحث عن لوحة خاصة يمكن للمدارس الحديثة أن تحملها للعالم؛ فكانت ثقافة وبيئة محيطه اليمني هي ضالته التي استلهم منها رؤيته ومشروعه. وهو ما عمل عليه في لوحاته التي اشتغل عليها عقب عودته لليمن في الثمانينيات؛ فقدم مجموعة رائعة استلهم فيها التراث واستنطق روح التاريخ وقدمه بمستوى حداثي جديد اسهم من خلاله في تجديده أيضاً.
عند عودته تلك من ألمانيا تولى فؤاد مهام أول مدير عام للفنون التشكيلية في وزارة الثقافة، وأسس أول صالة للفن التشكيلي حينئذ في شارع مجاهد في صنعاء، وهي الصالة التي احتضنت عدداً من المعارض التشكيلية الأولى في صنعاء ولقيت إقبالاً لافتاُ في ذلك العقد من القرن العشرين، وإن كان لم يكتب لها الاستمرار في ظل واقع غير ملتزم في علاقته بالتشكيل والفنون عموماً. كما عمل الفتيح في تسعينيات القرن الماضي على تأسيس المركز الوطني للفنون في سمسرة المنصوري في صنعاء القديمة بتمويل يمني ودعم ألمانيا، وهو المركز الذي زاره المستشار الألماني السابق شرودر وغيره من المسؤولين الألمان. استمر ذلك المركز تقريباً إلى بداية الألفية الثالثة، حيث تعثر نشاطه، وعقب تلك الفترة غادر الفُتيح صنعاء مستقراً في عدن.
استقر المقام بالفُتيح في مدينة عدن في السنوات الأخيرة، وكان يزور صنعاء صيف كل عام، لعلاقته الخاصة بهذه المدنية التي أحبها كثيراً وحرص على أن يكون له فيها بيته الخاص أيضاً. وعلى الرغم من أن معارضه انقطعت في السنوات الأخيرة؛ إلا أن علاقته باللوحة لم تتوقف حتى العام الماضي، بسبب الظروف التي تمر بها بلاده، بل أنه كشف، خلال مقابلة صحافية قد تكون الأخيرة له نشرتها «القدس العربي» أواخر العام الماضي، أنه توقف خلال (2017) على الرسم بسبب تلك الظروف؛ التي أصابته بنوع من الإحباط واللامبالاة، حد قوله.
ترى التشكيلية والناقدة اليمنية آمنة النصيري في حديث لـ» القدس العربي» أن «رحيل الفتيح يمثل خسارة كبيرة للمشهد التشكيلي والثقافي في اليمن، لاسيما أنه فنان نسج لوحة خاصة ومتميزة، خصوصاً على صعيد علاقته بالتراث؛ فاستلهم التراث بشكل متطور ومعاصر مستفيداً من علاقته المتميزة بالمدارس الأوروبية، إذ استطاع توظيف التراث توظيفا ابداعياً؛ فاستطاع محاورة المحيط بلغة جديدة، وعلاوة على ذلك كان له دوره في تأسيس صالة للفن التشكيلي في صنعاء وإن كانت مثل غيرها من الصالات لم تستمر بسبب الوضع الاقتصادي غير المستقر في اليمن، لأن الفن التشكيلي لا ينمو أو يتطور إلا في وضع مستقر». فيما أكد التشكيلي اليمني طلال النجار لـ»القدس العربي» أن «اليمن خسرت برحيل الفنان الفتيح واحداً من جيل الرواد، كما أنني اعتبره مؤسس فن الغرافيك في اليمن؛ فهو أول من أدخل هذا الفن ومارسه في المحترف التشكيلي اليمني في الوقت الذي كان فيه زملاؤه من الجيل الأول يمارسون التشكيل بالألوان الزيتية وغيرها». «لقد كان له دور كبير في تقديم لوحة جديدة، خاصة على صعيد اشتغاله على الهُوية؛ إذ تُعد لوحته عملا حداثيا بامتياز لدرجة انني أعتبر الفُتيح من أهم الفنانين الحداثيين في اليمن، حيث استخدم التراث بلغة حديثة، خاصة على صعيد تعامله مع مفردات البيئة التاريخية وخاصة في مدينة صنعاء القديمة، من خلال عدد من المفردات بما فيها المرأة وغيرها من المفردات التي اشتغل عليها وفق رؤية متطورة وقدّم بواسطتها عددا من الأعمال النوعية، لاسيما تلك التي استخدم فيها ألوان الأكريلك، استطاع بجدارة أن يقدم اللوحة اليمنية بلغة جديدة وتعبيراً عن وعي جديد بالتاريخ، ما يجعل من رحيله في هذه الظروف خسارة فادحة» يقول النجار.