إسطنبول ـ «القدس العربي»: عاد الجدل حول الجيش في تركيا من جديد وبقوة على خلفية تجدد الاتهامات للحكومة التركية والرئيس رجب طيب أردوغان بالعمل على تسييس الجيش التركي وتغيير عقيدته وذلك بالتزامن مع عملية عفرين التي ينفذها ضد الوحدات الكردية في مدينة عفرين السورية.
هذه الاتهامات تصاعدت في الأيام الماضية مع ظهور العديد من الصور لجنود من الجيش التركي يرفعون شعار «رابعة» الذي رفعه أردوغان عقب الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي وقتل أعداد كبيرة من المعتصمين المصريين في ميدان رابعة العدوية في العاصمة القاهرة.
كما رفع جنود آخرون شعار «الذئب الأغبر» الذي يعتبر رمزاً لحزب الحركة القومية المعارض المقرب جداً من الحكومة وأردوغان في السنوات الأخيرة، والذي توصل لاتفاق قبل أيام لتشكيل تحالف انتخابي «تحالف الشعب» مع حزب العدالة والتنمية الحاكم لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة بشكل مشترك.
وترى المعارضة لا سيما العلمانية منها متمثلة في أكبر أحزابها «الشعب الجمهوري» في هذه الصور دليلاً على ما تقول إنه «حجم التسييس» الذي يتعرض له الجيش التركي على يد الرئيس أردوغان، وتطالب بإبقاء الجيش التركي بعيداً عن الأحزاب والتجاذبات السياسية الداخلية.
وظهرت بشكل أقوى هذه الاتهامات عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها عدد كبير من ضباط الجيش على أردوغان في الخامس عشر من تموز/ يوليو عام 2016، حيث رأت المعارضة أن أردوغان استغل هذه المحاولة ليس فقط لمعاقبة المتهمين بالمشاركة في الانقلاب وإنما لتطهير الجيش وإحكام سيطرته على جميع أركانه عبر إبعاد الضباط غير المنتمين للحزب الحاكم، وهو ما نفته الحكومة مراراً.
لكن أردوغان أوضح سابقاً في أحد خطاباته الجماهيرية أنه يقصد بشعار رابعة الثوابت التركية الأربعة الأساسية «أمة واحدة، وطن واحد، علم واحد، دولة واحدة»، لكن المعارضة لا زالت تعتبره شعاراً مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين وحزب العدالة والتنمية الحاكم.
وانتشرت على نطاق واسع صورة لجندي على ظهر دبابة كانت تعبر الحدود التركية نحو عفرين رافعاً شعار رابعة في يد وشعار الذئب الأغبر باليد الأخرى، ما ولد ردود فعل متباينة أبرزها تلك الردود التي اعتبرته مؤشراً غير مسبوق على حجم التسييس الذي وصل إليه الجيش التركي.
وكتبت إحدى الصحف عنواناً على الصورة «هل هذه القوات المسلحة التركية أم أنها القوات المسلحة لحزبي العدالة والتنمية والحركة القومية؟»، بينما أرفق حساب على تويتر لحزب «الخير» الجديد في تركيا صورة لأردوغان وهو يمر وعلى جانبيه عشرات الشبان الصغار التابعين للحزب الحاكم وقد ارتدوا الزي العسكري ورفعوا شعار رابعة للترحيب به، وعلق عليها بالقول: «لا يمكن قبول هذا الحد من التسييس والأدلجة للجيش وصورته».
وعلى الرغم من أن إشارة «الذئب الأغبر» لم تكن محل خلاف داخل البلاد كونها تعبر عن القوميين الأتراك وليس فقط عن حزب الحركة القومية في البلاد، إلا أن التقارب الأخير للحزب القومي مع الحزب الحاكم جعل المعارضة تنظر بحساسية كبيرة إلى هذا الشعار.
وبينما كتب آلاف الأتراك عبر وسوم «لا لتسييس الجيش» و«الجيش هو جيش تركيا»، على تويتر، عبر آخرون عن فخرهم واعتزازهم بمقاطع الفيديو التي تظهر وداع جنود الجيش لرفاقهم بالتكبير، وصور أخرى لأداء الجنود للصلاة، وسط استخدام واسع لوصف «المحمديين» في إشارة لجنود الجيش التركي.
وإلى جانب ذلك، تتهم المعارضة العلمانية أردوغان بالسعي إلى ما تقول إنها «أسلمة الجيش» لا سيما مع انتشار صور ومقاطع فيديو متعددة للجنود الأتراك وهم يؤدون الصلاة أثناء الخدمة وفي مقرات الجيش، وكان آخرها الجمعة الماضية عندما أدى آلاف من عناصر القوات الخاصة صلاة الجمعة بشكل جماعي، وهو ما تحدث عنه في خطاباته الجماهيرية طوال الأيام الماضية باعتباره مصدراً للفخر بالمرحلة التي وصل إليها الجيش التركي.
ويرفض الرئيس التركي بشكل قاطع استخدام مصطلح «أسلمة الجيش» أو «أسلمة المجتمع التركي»، مشدداً على أن 99٪ من الشعب التركي مسلمين.
وخلال السنوات الأخيرة أجرى أردوغان تغييرات واسعة في بنية وتركيبة الجيش التركي، وسمح للجنود بأداء الصلاة وقام ببناء المساجد داخل الثكنات العسكرية، إلى جانب السماح لمنتسبات الجيش بإرتداء الحجاب، وغيرها من الإجراءات التي اعتبرت بمثابة محاولة لتغيير العقيدة العلمانية التي ضل يحافظ عليها الجيش التركي لعقود طويلة.
إسماعيل جمال