فيلم «وجه» للبولونية مالغورجاتا شوموفسكا: ملامح متغيرة تكشف تحاملات مجتمع بأسره

حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: في فيلمها «وجه» الحائز جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين للعام الحالي، وهي ثاني أهم جوائز المهرجان، تقدم المخرجة البولندية مالغورجاتا شوموفسكا نظرة ساخرة لاذعة قاتمة للمجتمع البولندي، بكل تحاملاته وتنافصاته. ولكن الفيلم، رغم أجوائه البولندية الواضحة، يتخطى كونه فيلما عن مجتمع بعينه أو بلد بعينه، فهو يقدم صورة ناقدة نافذة إلى أعماق البلدة الصغيرة ومجتمعها في أي مكان في العالم، خاصة في المجتمعات التي تلعب فيها المؤسسة الدينية دورا كبيرا في المجتمع وتشكيله.
حادث مأساوي هو ما يدفع أحداث الفيلم، ولكن شوموفسكا تنأى بفيلمها عن البكائية والإغراق في العواطف، وتتخذ من المأساة سبيلا لدراسة المجتمع وتناقضاته. ياشيك (ماتيوش كوشتيوكافيتش) عامل بناء في بلدة بولندية صغيرة قرب الحدود مع ألمانيا. يبدو لنا ياشيك محبا للحياة مقبلا عليها، يعيش أيام الشباب بكل ما يحمله الشباب من حماس. يطلق شعره الطويل للريح، ويستمع إلى موسيقى الميتال الصاخبة ويقود سيارته الصغيرة بسرعة من يود الانطلاق في الحياة انطلاقا. يعيش ياشيك مع أسرته، ولكنه ذو روح مستقلة محبة للحياة ويعشق داغمارا الجميلة الصاخبة المحبة للرقص والموسيقى الصاخبة والحياة مثله، ويزمع الزواج منها.
يبدأ الفيلم بجموع تحتشد أمام متجر ضخم للسلع الكهربائية. من بين المحتشدين ياشيك وداغمارا. إنها فترة التخفيضات السنوية في الأسعار قبيل عيد الميلاد. يقدم المتجر تخفيضات كبيرة في ما يسميه بـ«تخفيصات الملابس الداخلية». يفتح المتجر أبوابه، وفي مشهد سريالي عبثي نجد المحتشدين من كل الأعمار، من الشباب والمسنين، يتجردون من ثيابهم ليهرعوا بملابسهم الداخلية لاختطاف السلع المخفضة اختطافا. تراشق بالأيدي وتكالب على السلع يكشفان أن المجتمع المادي الاستهلاكي يجرد الإنسان من آدميته، كما أنه يفضح تطلعات مجتمع للحصول على علامات التطور الحديث، رغم التكالب الذي يشبه في بدائيته شراسة الإنسان الأول. هذا المشهد الافتتاحي الذي يضحكنا ويصدمنا في آن يحدد نبرة الفيلم منذ البداية، فهو فيلم يسعى لكشف ما تخفيه طبقة التقدم والتحضر من تحاملات.
يعود ياشيك فرحا بتلفزيونه الجديد، الذي اقتنصه اقتناصا في التخفيضات، وإلى عمله في المشروع البولندي الجديد، الذي ستباهي به البلدة الكاثوليكية المتدينة المدن الأخرى. تسعى المدينة بمناسبة عيد الميلاد لإقامة تمثال ضخم للمسيح يفوق في حجمه تمثال المسيح الشهير في ريو البرازيلية. تبدو البلدة الصغيرة في حاجة ماسة إلى مشاريع أخرى حيوية ينتفع بها الناس حقا، ولكنها تفضل إقامة تمثال، وليته تمثال ذو قيمة فنية عالية، بل مجرد بناء إسمنتي ضخم قبيح الملامح والقسمات. يتحول الدين إلى مجرد رموز للتباهي، وتنفق الأموال على مشاريع للتفاخر.
ذات يوم أثناء العمل أعلى التمثال، يسقط ياشيك سقطة يتهشم فيها وجهه وتذهب ملامحه تماما، ليصبح أول بولندي تُجرى له جراحة نقل وجه. لا تمضي شوموفسكا وقتا في رثاء فيلمها لحال ياشيك ولوجهه الذي ذهب ليحل مكانه وجه غريب بقسمات غريبة، ولا تذهب في دراسة نفسية لتأثير هذا الوجه الغريب الشائه على نفسية ياشيك أو سلوكه. يصبح ياشيك صاحب أغلى وجه في بولندا، وجه بُذل في تكوينه الكثير من الجهد والوقت والمال، ولكنه وقت بذل أيضا للتباهي. فالدولة، كما سيتضح لاحقا، لا يعنيها ياشيك في شيء ولا تعنيها حياته أو معاناته، بل يعنيها أن تبدو في مظهر الدولة المتطورة المتقدمة علميا، التي تجرى في مستشفياتها عمليات صعبة، من أوائل العمليات من نوعها في العالم.
يعود ياشيك بعد الجراحة إلى بلدته، ليكون محل أنظارها لعدة أيام، ثم تنحسر الأضواء ويواجه ياشيك الوجه الحقيقي للبلدة بكل قبحه وتحاملاته. يصبح ياشيك محل التندر في البلدة، يشير إليه الأطفال باسم «الوجه»، ويجد نفسه غريبا مخذولا، حتى أمه تعترف للقس بأنها لا تشعر بأنه ابنها، بل تظن أن به مسا من الشيطان. صداقات تتحطم، وعود حب تذهب بلا رجعة، حتى أسرته تضيق به ذرعا وبالنفقات التي يتطلبها علاجه. أما الدولة فتتنصل منه أيضا، فبعد إن كان فتى الغلاف الذي تسوق الدولة به نجاحها العلمي، ترفض الدولة مواصلة نفقات علاجه، وتقر بأنه يجب عليه العودة للعمل، وهو لا قبل له بذلك.
تقدم شوموفسكا طرحا ساخرا لاذعا في نقده وتنأى بفيلمها عن البكائية. فيلم لا يخلو من الكوميديا، رغم من المأساة التي يطرحها، ولكنها كوميديا سوداء قاتمة، نضحك منها ومعها، لأنها تلمسنا وتكشف لنا عن مثالب مجتمعاتنا وسوءاتها.
نشاهد الفيلم وتتولد في أذهاننا على الفور مقارنات مع مجتمعاتنا وكيفية تناولها لمثل هذا الحدث إن وقع فيها، ونفكر في مجتمعاتنا الصغيرة وصورتها التي تبدو لطيفة ودودة مظهرا، وما يعتمل تحت هذا السطح من تحاملات وتعصب وغيرة وقسوة ولا مبالاة، باحتياج المحتاجين فعلا. استخدام شوموفسكا للكوميديا هو أحد أهم مصادر قوة الفيلم وتأثيره، هي كوميديا سوداء ولكنها كاشفة للغاية، كضحكات أهل البلدة على غجر الرومان الذين يعاملهم أهل البلدة بعنصرية مستترة، في صورة نكات في الحانة، أو ضحكنا من القس الذي يستمع إلى اعتراف رعيته في الكنيسة، متلذذا بالأسرار الجنسية للجميلات. تناول غير متوقع لمأساة كان يمكن أن تتحول في يد مخرج آخر إلا ميلوداما مليئة بالدموع، وتأتي نهاية الفيلم على النسق الساخر نفسه الذي اتخذته شوموفسكا لفيلمها.
في فيلم يتخذ من الوجه عنوانا له يأتي استخدام الماكياج متقنا للغاية في تصوير التغير الكبير الحادث في ملامح ياشيك بعد الحادث، حتى أننا نظن أننا أمام وجه مختلف تماما، ولكن المفارقة الكبرى في الفيلم تكمن في أن ما يسبب الصدمة لياشيك حقا ليس الحادث الذي كاد أن يفقد حياته بسببه، وليس وجهه الذي ذهب بلا رجعة ليحل محله وجه لا يعرفه، ولكن ما يسبب له الصدمة حقا هو مجتمعه الذي ظن أنه يعرفه، ولكن اتضح له أنه لا يعرف عنه شيئا. كتمثال المسيح الضخم الذي ينتهي العمل منه بتركيب وجه المسيح في وجهة خاطئة في مؤشر إلى مسعى غير صائب في نهاية المطاف لإبهار العالم، يجد ياشيك وجها لا يعرفه يدلل رفض المجتمع له على بلد ما زال يحمل من التحيز والتحامل والخرافات الدينية الكثير.

فيلم «وجه» للبولونية مالغورجاتا شوموفسكا: ملامح متغيرة تكشف تحاملات مجتمع بأسره

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية