أجد نفسي أفكر في إسماعيل أبو ريالة. لم أتعرف عليه ولا يعرفه احد من قراء «هآرتس»، وربما لم يسمع عن اسمه أي إسرائيلي. أنا أنظر إلى صورته وربما تكون هي الصورة الوحيدة في حياته: وجه شاب، بقايا ابتسامة خجولة، حزينة، حلاقة أنيقة، شبكة صيد أو مجداف في الخلفية.
لا أستطيع رواية قصته كاملة، لأن قطاع غزة مغلق أمام المراسلين الإسرائيليين منذ 11 سنة من قبل إسرائيل. أنا لا أعرف الكثير عن حياته وعن موته، ومع ذلك أسمح لنفسي بأن أكتب عنه وأن أضع خطوطا لشخصيته. لا يصعب تصور حياة شاب ابن 19 سنة، صياد من غزة، وأيضا ليس من الصعب تصور موته.
جنود سلاح البحرية قتلوه في يوم الأحد الماضي. هم أطلقوا النار على قاربه وقتلوه، هكذا ببساطة. صوبوا وأطلقوا النار على الهدف مثلما دربوهم. هو بالطبع لم يعرض حياتهم للخطر ولو للحظة ـ كيف يمكن لصياد غزي مسكين في قارب قديم تعريض جنود سلاح البحرية المسلحين والمجهزين بسفينتهم المتطورة.
جيش الدفاع الإسرائيلي فسر عملية القتل بأن الصياد تجاوز المنطقة المسموحة للصيد في بحر غزة. إسرائيل تسمح للصيادين في القطاع بالصيد حتى مسافة 6 أميال. هكذا أمر المسؤول الذي أنهى احتلاله في غزة منذ فترة طويلة، المحتل الذي لا يحتل. الذي يبتعد عن الشاطئ أكثر من المسموح ـ عليه حكم واحد. فكروا بمراقب على شاطئ بحر تل أبيب يطلق النار على كل من يدخل إلى المياه في شاطئ ممنوع. الاحتلال الإسرائيلي في غزة انتهى، لكن ليس في البحر ولا في البر ولا في الجو. في القارب الذي أعيد لصيادي غزة وجدوا آثار دماء وصندوق إسعاف أولي.
بحر غزة هو الملاذ الأخير لها، ملاذ لإعالة الكثيرين. في الشعر والأدب والأساطير الصيادون هم دائما فقراء. وفي غزة هم أكثر فقرا. في يوم ما، في أزمنة أخرى، خرجت في ليلة صيفية حارة مع صيادين من غزة إلى البحر، عدنا عند الفجر وأكلنا مما صادوا وجبة أسماك لا أنساها. أيضا أبو ريالة خرج بحسكته ـ هكذا يسمون قارب الصيد في غزة ـ إلى البحر غير المفتوح. لقد أطلقوا عليه النار بعد أن اجتاز الخط المسموح. هل حذروه؟ هل سمع تحذيرهم؟ لن نعرف هذا أبدا. هم قالوا إنهم أطلقوا النار في البداية في الجو، كما يقولون دائما. حسب معطيات «بتسيلم» فإن جنود سلاح البحرية اعتقلوا في السنة الماضية 35 صيادا، وأصابوا 10 وقتلوا صيادا واحدا.
أنا أفكر أيضا بالجنود الذين قتلوا إسماعيل أبو ريالة، وضابط سلاح البحرية الذي أمرهم بإطلاق النار والجنود الذين أطلقوا النار، والمستقبل الذي ينتظرهم وإمكانية أن يصلوا في حياتهم إلى أي مكان. وأفكر بالمستقبل الذي انتظر ضحيتهم واحتمال أن يفعل أي شيء في حياته، باستثناء أن يرمي شبكته ويأمل خيرا. هل شاهدوا ضحيتهم قبل إطلاق النار؟ هل هم حقا شاهدوه؟ هل فكروا بحياة ابن جيلهم في غزة، الذي يحاول أن يعتاش من البحر؟ هل فكروا فيه عندما أطلقوا النار وقتلوه بدم بارد، صياد غير مسلح، شاب بقي شابا إلى الأبد.
أبو ريالة لم يكن حاخاما أو مستوطنا، لهذا فإن إسرائيل لم تهتز من قتله، حتى أنها لم تهتم به للحظة، قتلته ليسوا مخربين، هم جنود الجيش الأخلاقي وهو كان صيادا، حياته كانت تساوي السمكة التي حاول صيدها. لم يكن له شيء في حياته باستثناء محاولته البائسة للخروج إلى البحر غير المفتوح.
بالنسبة لجنود سلاح البحرية كان هذا كافيا من أجل إعدامه، هل فكر أحد منهم على الأقل فيه بعد أن قتلوه؟ هل فكر أحد ما بوالديه وإخوته وبمصيره؟ هل يذكرون على الإطلاق أنهم قتلوا صيادا شابا، إنسانا؟ «عندها خرجوا بصمت، يرتفعون مع المد ويهبطون مع الجزر»، كتب نتان يونتان في صلاة الصيف التي غناها مئير بناي.
لذكرى إسماعيل أبو ريالة الذي لن يخرج ثانية من البحر.
هآرتس 1/3/2018