هزّان القفة أو قفة التملّق

حجم الخط
1

قبل أنْ أبدأ حديثي عن المثل ـ إنْ صح ذلك ـ من وجهة نظر عرفانية أرى من الضروري أن أهيئ القارئ حتى يدخل المقال وهو على دراية ببعض ما سيُكتب، أقول هذا لأنّ المثل الذي نشتغلُ عنه يكاد يكون محليّا، أي ينتمي إلى خُطاطة معرفيّة تخصّ ـ في حدود ما نعلم، وفي حدود ما تقصيناه عند بعض الأصدقاء من خارج تونس ـ مجموعة بشريّة أو اجتماعا بشريا مجاله البلاد التونسيّة.
هذا المثل هو»هزّان القفة» أو»يهزّ القفة»، ويعني هذا في العرف التّونسي أو في المخيال الشعبي، أنّ يحمل شخصاً ما أخباراً أو ما شابه ذلك من أجل كسْب شيء ما، ويمكن أن نفهمه في فصيح الكلام على كونه «التملّق». ويُطلق على من يمتهن هذا العمل بـ«القفاف»، وهي صيغة مبالغة تعبيراً عن كثرة صنيعه، أما المعطى الثاني الذي يجب تفكيكه قبل مباشرة الحديث هو فعل «هزّ» حيث يدلّ في المثل ـ وعندنا في تونس ـ على حمل الشيء خلافاً لدلالته الأصلية في اللّغة، كونه تحريك الشيء فالعرب تقول: «هزَّه وهزَّ به إذا حرّكهُ» (لسان العرب، مادة هزز).
وحين عقدتُ العزم على تفكيك هذا المثل عرفانيا وجدتني مُجبراً على أنْ أعيد النّظر فيه من ناحية مغزاه وعمقه الدّلالي حتى تتسنى لي معاينته معاينة تفي بالغرض، وتقف عند الأنساق المعرفيّة التي تسيّره أو تقف خلفه أرضية معرفيّة، فرُحتُ أسأل عن أبعاده، وكنت أظنّ أنّ معناه ما هو متداول عند الكثير اليوم باعتباره علامة على الشخص الذي يحمل الأخبار لسيده أو جهة ما من أجل كسْب مال أو منصب أو مصلحة معيّنة، وهذا ما حصل فعلاً، حيث كانت جميع الإجابات تصبُّ في هذا الإطار، أي ما يعرف بـ«الـمُخبر». استأنفت النّظر مع شريحة مجتمعية أخرى في مجتمعنا التّونسي، هي أقدم سناً ولها دراية أكبر بتاريخ البلاد، ومعرفة أدق بأمثالها وخطاباتها المتداولة، فوجدت أنّ هذا المثل «يهزّ القفة» له مرجعية تاريخية ارتبطت بالأساس بفترة زمنية كان يوجد فيها الأعيان والأشراف، حيث يترفعون عن حمل القفف عند التسوّق، فكان أنْ جندوا لها بعض الأفراد يحملون لهم القفف حتى باب الدار، ومنها تحوّل هذا الصنيع إلى مهنة يتخذها البعض من أجل الظفر بعشاء ليلة من هؤلاء الأعيان، أو بعض المال لسدّ حاجاتهم.
أمام هذين المعطيين الكبيرين، المعطي الاستعمالي للمثل اليوم والمعطي التّاريخي، تقف القفة موضع اتهام ودليلاً على كونها سفير شؤم محمّلة بكامل السمات السلبيّة، هذا خلافاً إلى أنّ دلالة المثل تسافر بنا من فهم بسيط ـ وإن كان سلبيا ـ إلى فهم واسع يجعل من «حمل القفة» أو «هزّان القفة» مجالاً واسعا للتصرف يُطلق على كلّ إنسان متملّق يسعى لشيء ما من أجل مصلحته الذاتية، فيضحي بكل ما عنده ولو كان ذلك على حساب العزّة والكرامة.
«هزّان القفة» استعارة إذا ما نظرنا إليها بمنظار العرفانيين اليوم، قائمة في الأساس على إسقاط صورة ذهنيّة على صورة أخرى، وهي «مختلفة عن الاستعارة القائمة على الإسقاط ما بين مجالين مفهومين من حيث الإجمال والتفصيل» على حدّ قول الأزهر الزنّاد، فنحن نستعير صورة ذهنية تعبّر عن حمل الخادم لسيده القفة من أجل الحصول على عشاء ليلة أو بعض المليمات ونسقطها اليوم على كل فعل يسعى فيه صاحبه إلى أن يتملّق من شخص ما من أجل بلوغ مبتغاه. ولعلّ ما يتميّز به هذا الإسقاط أنّه لا يشترط مشابهة فعلية بأنْ نرى اليوم أحدهم يحمل قفة حقيقيّة، فيكفي أن يحمل شخص أخبارا حتى نطلق عليه «يهزّ قفة»، وهذا ما يجعل الاستعارة بمفهوم العرفاني متجاوزة للتصور التقليدي، الذي يجعل المشابهة أساسا لقيام الاستعارة.
الطّريف في هذا المثل أنّه بقي حاضرا ولكن الصنيع قد يتغيّر، فمن الممكن أنْ نوصّف شخصاً ما مثلاً وهو يقدّم هدية لرئيسه في العمل من أجل ترقية على كونه «هزان قفة»، ولكن لا شيء في الممارسة يقول لنا إنّ القفة موجودة فعلا، وبالتالي فالمتكلم يقوم بإسقاط الفعل في مرجعيته التاريخية وحمولته اللفظية ليعبّر عن فعل في الواقع اليومي، وفي كلّ هذا تبقى دلالة التملّق تحكم التناسب بين المجالين، وهذا ما نجد له عند العرفانيين تفسيرا مقنعاً باعتبار أن الإسقاط يتم بشرط الحفاظ على الأبعاد الأساسية في مجال «الصورة المصدر». وهذا في اعتقادنا ما يجعل القفة تبقى حاضرة لفظيا، وهو السبب نفسه الذي يجعل التملق شرط التناسب في التوصيف بين الماضي والحاضر. إنّ دلالة حمل القفة على التملّق توصيف مُطلق يمكن استعماله اليوم في سياقات متعددة، فنحن مثلا لا نعثر على شبه بين نقل الشخص لرئيسه أخبارا والخادم الحامل للقفة الحقيقة لسيده، غير أننا نعثر عن التناسب العام، وهو جامع «التملق»، ويتأكد لنا ذلك من الواقع اليومي، حيث نوصّف اليوم حامل الأخبار أنّه «قفاف»، لأنّ التناسب حاصل في مضمون الفعل. ويحلو لنا أن نشير إلى أنّ إسقاط صورة التملق القديمة على نماذج جديدة ـ وإن حافظت على معطى العام ـ فإنّها أحيانا تسافر بالشكل والمضمون معاً، تفسير هذا أنّنا نعاين اليوم التملّق بحمل القفة الحقيقية، فكم من شخص اليوم يحمل قفته محمّلة بهدايا من أجل الظفر بمنصب أو عمل أو ما شابه ذلك.
وإذا ما عدنا للمثل في بنيته نجده يصاغ على عدّة أوجه نتيجة فعل الاشتقاق فيه حيث تجده يُردّد من أفواه الناس بـ«يهزّ القفة» أو «رجل هزاز قفف» أو «قفّاف»، وقد يتقاطع مع مصطلحات أخرى من قبيل «يقوّد» أو «القوادة» لما في هذا الكلمة من شحنة سلبية عند أهلنا في المشرق، وقد تتقاطع مع الأولى في فعل الوساطة. هذا التناسل في التسمية يجعل قراءة المثل تتداخل فيها الاستعارة مع الكناية عرفانيا، لاسيما وأنّ الكناية قد اُعتبرت «جزءا من الطريقة العادية التي نمارس بها تفكيرنا وسلوكنا وكلامنا» وهذا ما صرّح به كلّ من لايكوف وجونسون في كتابهما الاستعارات التي نحيا بها، ومن هذا المنطلق احتلت الكناية القيمة نفسها التي احتلتها الاستعارة لتتحوّل من مجرّد أداة بلاغية إلى طريقة من طرق بناء خطابنا اليومي، «فالقفاف» في الأخير هو كناية عن الشخص الذي يتملّق، حيث تسمح لنا هذه الصورة الكنائية بتصوّر شيء من خلال ارتباطه بشيء آخر.
في نهاية هذه السطور وبضرب من المجازفة أقول: قد لا يكون هزّان القفة هذا أو ما يقاربه في البلدان العربية الأخرى تحت مسميات عديدة، فعلاً دخيلاً وإنّما نجد له جذورا في كثير من الممارسات عند العرب القدامى، وهو جزء من الذاكرة الجماعية، فنشير على سبيل الذكر الشعر التكسبي، فإذا ما عدنا إلى أقاصيص التاريخ وتمسّح الشعراء في بلاط الأمراء، سنجد أنّ هذا الفعل شبيه بما نتحدّث عنه اليوم، فإن كان الشعر «هزّان قفة» بالكلام فهذا «هزّان قفة» بالفعل، مع أنّ الأوّل في اعتقادي ـ وإنْ كان مرفوضاً عند بعض من نقاد الشعر ـ يظلّ فعلاً إبداعيا خلدته أقلام تريد أنْ تحيا بالشعر، أما هذا فليس إلاّ ضربا من الكسب بالذّل تأباه النفوس وعزّتها، وهذا ما جعلها تستنجد به اليوم في خطابها اليومي من أجل توصيف فعل التملق، حيث يغزو هذا الخطاب الحياة اليومية في السياسة والاجتماع والثقافة أضف حضوره ضمن مواقع التّواصل الاجتماعي وصل إلى حدّ إنشاء صفحات بعنوانين من قبيل «القفافة».

٭ باحث تونسي

 

هزّان القفة أو قفة التملّق

يوسف رحايمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية