صاروخ موجه يُباغت سفينة حربية، ينفعل أفراد طاقم السفينة، وينتابهم الارتباك ويحتاجون إلى ثوان قليلة للقيام برد فعل وتحديد مصدر الهجوم. وبعد ذلك يحاول قائد السفينة أن يعرف من طاقمه الأضرار التي لحقت بسفينته ومعرفة طريقة الرد على الهجوم وإبلاغ القيادة بما حدث، والتنسيق معها حول الخطوة التالية، وقد يستغرق كل هذا بضع دقائق، وهو وقت طويل نسبيا وفي ظروف حرجة جدا قد تكون عواقبها وخيمة بالنسبة لطاقم السفينة وللدولة ككل. هذا في عالم السينما، ولكن لننتقل إلى الواقع في عالم اليوم، فقد أعلنت البحرية الأمريكية أنها على وشك إنزال سفينة حربية جديدة إلى الخدمة للبحث عن الغواصات المعادية، تكون قادرة على البقاء بشكل متواصل في البحار لمدة ستين يوما بدون العودة إلى قاعدتها، ولكن ما يميز هذه السفينة هو أنها لن تحوي حمامات أو مطاعم أو أي تجهيزات أخرى للطاقم، لأنها ستكون ببساطة خالية من أي وجود للبشر، حيث أنها تحت سيطرة أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجال الحاسوب (الكمبيوتر) الذي سيعمل بمفرده، وبعيدا عن سيطرة القيادة على اليابسة، أي أنه مستقل عن أي تدخل خارجي، ويستطيع التمييز بين الغواصات الصديقة والعدوة. وأُعلن مؤخرا عن قرب إنزال دبابة جديدة إلى الخدمة، التي ستكون أيضا بدون طاقم بشري، فكل ما فيها ليس سوى نظام ذكاء اصطناعي يتحكم بأجهزة إلكترونية وأسلحة فتاكة. وستقوم هذه الدبابة باكتشاف مصدر الهجوم قبل إصابتها ويحدد نظامها الإلكتروني مصدر الهجوم، ومن ثم الرد عليه وإبلاغ القيادة. كما ستزود هذه الدبابة بطائرات بدون طيار للاستطلاع على محيطها وقد يشمل هذا مهام أخرى، وكل هذا سيحدث في أقل من ثانية واحدة، ولن يكون من الممكن لأي دبابة بطاقم بشري أن تواجهها. كما أنه لن يكون هذا محتكرا من قبل دولة متقدمة معينة، بل ستقوم جميع الدول المتقدمة صناعة أسلحة مشابهة. وهو ما أثاره تصريح أيلون مَسك ــ الذي يعد أشهر رجل أعمال في الولايات المتحدة الأمريكية ــ من قلق واضح في الأوساط الإعلامية عندما حذر من احتمال نشوب الحرب العالمية الثالثة، بسبب التطور الخطير في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
عالم الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي هو درجة ذكاء أجهزة الحاسوب، الذي يعتبر الجزء الأساسي في نوع جديد من الأسلحة تسمى الأسلحة المستقلة. وتمتاز الأسلحة المستقلة بقابليتها على العمل والتصرف بدون توجيه من القيادة ، أي أنها نوع من الجندي ـ الروبوت، كما أنها لن تحتاج إلى أمر بشري للقيام بأي مبادرة، لأنها سوف ترد على الهجوم المضاد بقرار تتخذه هي. وفي الواقع أن يكون لسلاح ما نوع من الاستقلال ليس بالفكرة الجديدة، ففي عام 1943 وأثناء الحرب العالمية الثانية قام الألمان بصناعة طوربيد تطلقه غواصة ويستطيع تتبع الأصوات تحت سطح البحر، وبذلك فقد كان قادرا على البحث عن الغواصة المعادية، وبدون توجيه من الغواصة الأصلية التي أطلقته. وبعد ذلك وفي سبعينيات القرن العشرين ظهرت الأنظمة الدفاعية البحرية التي تطلق النار تلقائيا باتجاه أي صواريخ مهاجِمة. ولكن هذه الأسلحة باتت أيضا بدائية جدا بالنسبة للأسلحة التي نتطرق إليها هنا. إن الذكاء الاصطناعي يحل مشكلة ضياع الوقت لأي سبب كان، حيث أن هذه القرارات ستتخذ وتنفذ من قبله في أقل من ثانية وبدون تردد، ولن يواجه مشكلة حدوث أي مخالفة لتنفيذ الأمر أو تمرد ضد القيادة أو خلاف في الرأي بين أطراف متعددة ذات علاقة باتخاذ القرار، كما إنه لن يشعر بالإرهاق أو الحزن أو الغضب. وسيكون نظام الذكاء الاصطناعي قادرا على تحديد خياراته وانتقاء الأفضل منها، خاصة أنه سيمتلك كمية هائلة من المعلومات ومعرفة كبيرة بساحة المعركة ومحيطه بكفاءة منقطعة النظير.
وعي حاد منعدم المشاعر
وبسبب عدم رجوع الذكاء الاصطناعي لأي قيادة بشرية فإنه سيكون بمنتهى القسوة ولن تعني له حياة الملايين أو حتى البلايين من الناس شيئا.
ومع التطور العلمي سيزداد النظام ذكاء وكفاءة، إلى درجة أنه من المحتمل أن يتمكن من التفوق على الإنسان ذكاءً وقد يحصل حتى على نوع من الوعي، وبذلك فإنه سيتحول إلى خطر حقيقي على البشرية. ولهذا السبب، فقد قام بعض مشاهير الشخصيات العالمية مثل العالم البريطاني الشهير ستيفن هوكنج ورجل الأعمال الأمريكي أيلون مَسك بالدعوة لإبرام معاهدة دولية للحد من تطوير الاستعمالات العسكرية للذكاء الاصطناعي، وأطلقوا عليه اسم «الروبوت القاتل». ولكن إبرام معاهدة من هذا النوع لن يكون سهل المنال بسبب صعوبة مراقبة تنفيذها، وكذلك لأن الذكاء الاصطناعي في المجال المدني في حالة تطور سريع، ومن الممكن تحوير التطبيقات المدنية للأغراض العسكرية بسهولة. والصراع بين الدول المتقدمة في الوقت الحاضر حامي الوطيس للوصول إلى الصدارة في هذا المجال، الذي تحتله حاليا الولايات المتحدة، ولكن الإعلام العالمي يدعي أن الصين تلحق بها، حيث أعلنت الصين أنها تريد أن تكون الأولى عالميا في هذا المجال بحلول عام 2030.
ذكرى الإنسان
ويقترح العلماء أن يبقى الإنسان ذا تأثير على نظام الذكاء الاصطناعي عن طريق تأمين دور بشري في عملية اتخاذ إجراء من قبل النظام، أو على الأقل جعل النظام بشكل عام تحت مراقبة البشر لمنعه من الوقوع في خطأ ما قد يؤدي إلى كارثة، أو حتى حرب عالمية ثالثة. ولكن المشكلة هنا أن الإنسان لا يستطيع مجاراة النظام في السرعة والكفاءة نفسها، وإن حدث هذا، فإنه سيقلل من كفاءة النظام بشكل عام ويحدد من استقلاله، والمشكلة الأخرى هي احتمال كون العامل البشري غير قادر على إيقاف أو تصحيح خطأ الذكاء الاصطناعي.
إن غياب الدور البشري في أنظمة الذكاء الاصطناعي سيقلل من أي خسائر بشرية عسكرية في الحروب، كما أنه سوف يقلل من حجم السلاح الواحد وتكلفته لعدم احتوائه على أي احتياطات لحماية الطاقم البشري، فإذا كانت السفينة أو الطائرة أو الدبابة بدون طاقم، فلا داعي لاحتوائها على فراغ منيع في داخلها لسكن وحماية الطاقم مما يقلل من حجمها وتكلفتها. وبالتالي فستكون لدينا قوة عسكرية بدون جنود أو ضباط. السؤال المحير الذي يتبادر للذهن هو إنه أذا حدثت مواجهة بين سفينتين بسبب هجوم أو هجوم مضاد قرره ونفذه نظام الذكاء الاصطناعي لأحديهما أو كليهما ويلي ذلك، كذلك بسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي، مواجهة بين أسطولين، ثم يستمر التصعيد، فإلى أي مرحلة متقدمة سيكون فيها العامل البشري هو المهيمن؟ ومدى علاقة نظام الذكاء الاصطناعي بقرار استعمال الأسلحة النووية؟ وتدعي الدول العظمى النووية أن قرار استعمال الأسلحة النووية ليس تحت سيطرة نظام ذكاء اصطناعي، بل تحت سيطرة رؤسائها وقادتها، ولكن إلى متى سيستمر هذا؟ وهل سيستطيع أي رئيس التعامل مع سرعة تطور موقف خطـــــــير؟ وماذا سيحدث إذا كانت المعلومـــــات التي تستلمها قيادات تلك الدول من أنظمة الذكاء الاصطناعي خاطئة؟ ولكن من المؤكد أن الحرب العالمية الثالثة ستسبب نهاية البشرية على كوكب الأرض.
٭ كاتب عراقي
زيد خلدون جميل