ما زالت اسرائيل تفضل الحفاظ على سرية مقدار المساعدة التي بذلتها، بحسب الأنباء الاجنبية في الاسبوع الماضي، لحكومة كينيا في مواجهتها للهجوم الارهابي الكبير في المجمع التجاري في نيروبي، الذي قُتل فيه 67 شخصا على الأقل. تقول الأنباء المنشورة إن اسرائيل أرسلت الى كينيا وفدا كبيرا نسبيا شمل خبراء استخبارات وتفاوض وتخليص ومتفجرات. وسبقت العملية إنذارات استخبارية كثيرة، بل زُعم في أحد التقارير أن الاستخبارات الاسرائيلية حذرت الكينيين مسبقا من عملية موجهة الى هدف غربي أو اسرائيلي في فترة أعياد تشري (الشهر العبري)، لكن السلطات لم تستجب للتحذيرات (كان المجمع التجاري ووست وود، الذي هاجمه مخربو العصابة المسلحة الاسلامية ‘الشباب’ من الصومال، ذا ملكية اسرائيلية). وخدمت المساعدة الاسرائيلية المتحدث عنها في وسائل الاعلام لكينيا أهدافا استراتيجية تتعلق بالتعاون مع دول صديقة في افريقيا. ومن المؤكد أن يُفيد وجود خبراء اسرائيليين في ميدان العملية، جهاز الامن في البلاد، في استخلاص دروس تكتيكية من صورة علاج الكينيين لحادثة ارهابية جماعية، حيث استولت خلية موت وفيها بحسب التقدير المُحدّث نحو من 10 15 ارهابيا على المجمع التجاري، وقتلت عشرات المدنيين بلا تفريق تقريبا (قال عدد من الناجين إن المخربين أبقوا على حياة أناس عرّفوا أنفسهم بأنهم مسلمون). لكن العملية الشديدة في نيروبي قد تعبر ايضا عن تغيير اتجاه مهم، قد تكون له في المستقبل آثار على اسرائيل. فالارهابيون الذين هاجموا المجمع التجاري جاءوا لتنفيذ عملية تظاهر لا عملية مساومة. ويمكن أن نفرض أن أكثرهم علموا أنهم لن يخرجوا أحياء من الهجوم، رغم أن السلطات ما زالت تظن أن عددا من المخربين هربوا من المكان وقت الحصار بلباس مدني. وعلى نحو عام يكون للخاطفين في عملية جماعية يؤخذ فيها رهائن، مطالب صيغت مسبقا كافراج عن ارهابيين سجناء، ويكون لها هدف سياسي احيانا كطلب أن تكف الدولة المهاجَمة عن محاربة المنظمة، أو أن تسحب قواتها من داخل دولة اخرى. تقول التقارير من نيروبي إن ‘الشباب’ لم يعرضوا مثل هذه المطالب البتة. فقد كان الهجوم على المجمع التجاري يرمي الى احراز هدف مزدوج وهو عقاب كينيا على مشاركتها في محاربة ‘الشباب’ ومنظمات متطرفة اخرى متأثرة بالقاعدة في شرق افريقيا، وقتل مواطنين غربيين. ولم يحاول المخربون البتة اجراء تفاوض مع القوات الامنية الكينية. وكان احتجاز رهائن يرمي الى خدمة هدف آخر، وهو إبقاء العملية في كينيا على شاشات شبكات التلفاز الدولية أكبر وقت ممكن. فطول الدراما، وقد كان الحصار الذي دام ثلاثة أيام أو أربعة الذي فرضته قوات الامن على الخاطفين يُبث بثا حيا، زاد في الأثر الارهابي وفي بث الخوف بين السكان المدنيين الذين كانوا من البدء هدف الهجوم الرئيس. وتخدم اعمال التنكيل المزعزعة التي تم توثيقها بالضحايا (شنق الرهائن وقطع الأعضاء) تخدم هدفا مشابها ايضا. وسلكت منظمات اسلامية متطرفة نفس السلوك، وهو إطالة التحصن لأجل زيادة قوة التأثير، من دون اجراء تفاوض حقيقي في الهجوم الارهابي في مومباي في الهند في 2008 ايضا. ويمكن بقدر ما أن نرى خطوط تشابه ايضا مع هجوم الارهابيين الشيشان على المدرسة في بسلان في روسيا في 2004، حيث لم يُجرِ المخربون تفاوضا فعالا، رغم أنه يُزعم أن عدد القتلى الكثير في الواقعة وهو 344 شخصا نبع في الأساس من هجوم غير محسوب لقوات الانقاذ الروسية. اكتسب الجيش الاسرائيلي خبرة طويلة وتجربة عظيمة في الاتصالات لانقاذ الرهائن، يتولاها على نحو عام فريق التفاوض من هيئة القيادة العامة. لكن في حالات كالعملية الاخيرة في نيروبي، يتحول عمل الفرق المختصة بادارة التفاوض ليصبح هامشيا نسبيا، ويجب أن يُبذل معظم جهد قوات الأمن لصوغ خطة للهجوم على المخربين وانقاذ من يمكن انقاذه من بين الرهائن، منذ اللحظة التي يُصاغ فيها استنتاج أن الخاطفين يريدون أن يقتلوهم وأنهم معنيون في الحاصل العام بكسب وقت وباطالة الدراما. ويُطلب الى فريق التفاوض في مثل هذا السيناريو أن يحاولوا في الأساس احراز مكاسب نقطية، كتخليص النساء والاولاد والمساعدة على جمع معلومات استخبارية يمكن أن تساعد قوة التخليص. لماذا قد يكون هذا ذا صلة باسرائيل ايضا؟ لأن المنظمات التي تستمد الالهام من القاعدة (وهي ما تسميه ‘أمان’ في السنوات الاخيرة فصائل ‘الجهاد العالمي’) تميل الى أن يتعلم بعضها من بعض، ولأنه نشأت في السنتين الاخيرتين بسبب الزعزعة الكبيرة في العالم العربي تجمعات لآلاف الارهابيين من أكثر الفصائل تطرفا على حدود اسرائيل، ولا سيما الجانب السوري من الجولان وفي سيناء. إن اسرائيل قلقة جدا من ازدياد قوة هذه المنظمات، ومن امكانية أن تنحصر جهودها الى جانب النضال الرئيسي لاسقاط النظام في سورية، والنظام العسكري في مصر الآن ايضا، وبقوة أكبر في المستقبل موجها على أهداف اسرائيلية. وفرض الانطلاق هو أن المنظمات المشايعة للقاعدة تتجه مسبقا الى عمليات ذات صدى وتحاول أن تقوم بخطط طموحة لهجمات ارهابية أكثر من تلك التي قامت بها الى اليوم المنظمات الارهابية الفلسطينية المختلفة. في حزيران/يونيو من هذا العام أجرت هيئة القيادة العامة أول تدريب لمواجهة هجوم ارهابي لمنظمات الجهاد العالمي على الحدود. وعلى حسب سيناريو التدريب الذي فُحص فيه رد فروع هيئة القيادة العامة، والقيادات الميدانية والوحدات الخاصة المختصة بتخليص الرهائن، هوجمت في الآن نفسه عدة أهداف اسرائيلية وُجد فيها مئات المواطنين. وطُلب الى القوات أن تواجه هجمات نفذتها خلايا فيها عشرات المخربين بخلاف أكثر العمليات الفلسطينية في العقد الاخير، التي كانت تعتمد على نحو عام على مخرب منتحر واحد، أو على مجموعة صغيرة من المخربين المسلحين. وقد جربت اسرائيل من قبل هجوما مُحكما نسبيا لمنظمة ارهابية اسلامية في العملية الارهابية في آب/اغسطس 2011 في شارع 12 الى ايلات. وقال القائد التارك عمله لفيلق أدوم، الذي يتولى الاشراف على حدود مصر، العميد نداف فدان، في هذا الشهر في مقابلة صحافية مع ‘هآرتس’: إنه شارك في العملية التي قُتل فيها ثمانية اسرائيليين نحو من 18 مخربا انقسموا الى عدة خلايا ثانوية وحاولوا أن يضربوا عدة أهداف على التوازي. ‘كان المخربون مسلحين جيدا بصواريخ مضادة للدبابات ومضادة للطائرات، وببنادق قناصين وبشحنات ناسفة. وكانت تلك عملية مخططا لها وطموحة ذكّرت سعتها بهجمات حزب الله، في الفترة التي كان فيها الجيش الاسرائيلي موجودا في جنوب لبنان’، قال فدان. للاسرائيليين اذا قورنوا بالكينيين، مع كل ذلك، عدة مزايا بارزة في علاج هجوم ارهابي واسع النطاق. الميزة الاولى هي نوعية المعلومات الاستخبارية الانذارية. فالتعقب الذي تقوم به اسرائيل للمنظمات الارهابية، التي تعمل في المنطقة أكثر قربا من ذاك الذي كان يقوم به الكينيون، الذين لم يستجيبوا بحسب شهادتهم هم لانذارات استخبارية سبقت. وتتعلق الميزة الثانية بمقدار الأمن في اماكن مليئة بالناس، والذي ما زال أكبر كثيرا مما هو في سائر الدول منذ ايام الانتفاضة الثانية. وتتعلق الميزة الثالثة بخبرة الوحدات الخاصة كالوحدة الشرطية الخاصة ودورية هيئة القيادة العامة، بعلاج انقاذ الرهائن. لكن كل ذلك بالطبع لا يمنح اسرائيل أية حصانة من هجمات تشبه ما حدث في نيروبي.