كتب إيان لوستيك من جامعة بنسلفانيا كتاب ‘عرب في الدولة اليهودية’ 1980؛ وتُرجم الى العبرية في 1985، وهو أفضل كتاب عن العرب في اسرائيل. ونشر بعد ذلك بحوثا عن الاستعمار في المناطق والجزائر وعن الصراع في ايرلندا الشمالية. وقبل نحو من اسبوعين في صفحة المقالات من صحيفة ‘نيويورك تايمز’، بيّن في مقالة عنوانها ‘وهم الدولتين’ عن تحوله. فهو الذي كان يؤيد الى الآن حل الدولتين يؤمن بأن هذا الحل لم يعد ممكنا. وقد فعل هذا قبل نحو من عشر سنوات المؤرخ توني جاديت. وهذا جزء مما يحدث في عالم الفكر الامريكي، ولذلك عدة مزايا تشمل امكانات عمل لاساتذة جامعات اسرائيليين، إن التحول عما بعد الصهيونية الى معاداة الصهيونية سهل جدا في الولايات المتحدة. وفي الحقيقة تبدو رؤية ‘الدولتين’ الآن كسجن الفلسطينيين في محمية. فهي تراوح بين التعلق بعطف الامبراطورية الامريكية وسوط الاستعمار الاسرائيلي. وفي كل مرة خُيل إلينا فيها في اوقات مختلفة في التاريخ أن رؤية الدولتين تتحقق (1974، 1981، 1987، 1993، 2000)، ابتعدت، قبل سقوط الاتحاد السوفييتي وبعده، وقبل انشاء حماس وبعد زيادة قوتها. ويحب الاسرائيليون أن يتهموا ‘الارهاب الفلسطيني’، لكن من الواضح أن حكومات اسرائيل كلها فعلت كل شيء لاحباط خيار الدولة الفلسطينية. لأجل ذلك لعبت كل تلك المدة لعبة التفاوض، قبل اتفاقات اوسلو وبعدها، واستوطنت كي تزيد في عمق الاحتلال وتفضي به الى نقطة لا رجعة عنها. إن ضعف حل ‘الدولة الواحدة’ هو المثالية بالطبع. ويكتب لوستيك: ‘يستطيع الفلسطينيون العلمانيون في اسرائيل والضفة أن ينضموا الى من يؤمنون بما بعد الصهيونية في تل ابيب، والى مهاجرين غير يهود يتحدثون اللغة الروسية والى عمال أجانب… ويستطيع الحريديون المعادون للقومية أن يجدوا هدفا مشتركا مع المسلمين المحافظين’. وهذا حسن. وكان يمكن أن يُكتب تصور مثالي آخر مثل: ‘يدخل لاجئون من الجلزون بعيون مغمضة الى بيت إيل ونفيه تسوف، ويُستقبل المستوطنون المُجلون بأزهار زرقاء عند مداخل تل ابيب: تقول اللافتات ‘انتظرناكم يا أحباءنا، وعُدتم في نهاية المطاف’. ويفضل لوستيك وهما جديدا. بيد أنه ليس الحديث عن وهم فقط، بل عن استسلام للمستوطنين وتحويل للنضال اليساري الرئيس الى شؤون تُذكر بورشات عمل لوعي الذات. والى ذلك لا يعرض أحد من المفكرين في ‘الدولة الواحدة’ هنا وفي الخارج موضوعا، أي من يحمل على كاهليه النضال لأجل الدولة الواحدة. هل توجد منظمة قادرة على الجمع بين الفلسطينيين واليهود وتبني مؤسساتها ‘الدولة الواحدة القادمة’؟ وكيف لم تنشأ أية منظمة سياسية لترث برامج ‘الدولتين’، رغم جميع أنشطة الجدار والشيخ جراح وسائر الاماكن التي ناضل فيها الاسرائيليون والفلسطينيون منذ سنة 2000؟ (إن الحركة اليهودية العربية الوحيدة في كل أنحاء الشرق الاوسط هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهي خاصة تؤيد حل الدولتين). إن الكتب الاسرائيلية من هذا النوع الأدبي – التي تثير الاهتمام ككتب ميرون بنفنستي والتي لا تثير الاهتمام ككتب يهودا شنهاف تميز عدم القدرة على التفكير في الارادة الفلسطينية حتى ولا في المنظمة الكبرى للحركة القومية الفلسطينية، أعني فتح. فاذا كان يوجد مكان يلاحظ فيه التقارب بين اليساريين الذين يؤيدون حل ‘الدولة الواحدة’ واليمين، فهو غير موجود في صورة الدولة الواحدة، بل في التجاهل الاستعماري لحق الفلسطينيين في تقرير المصير. أجل، نُتف ريش رؤية الدولتين، ومؤيدوها من اليسار الراديكالي يتلعثمون. ومع كل ذلك لا يمكن الاكتفاء فقط باحتجاجات متفرقة على ايهود بناي أو على جامعة اريئيل. فمنذ زمن يتأخر نشوء حلف سياسي مسلح على المستوطنات يعمل في شوارع اسرائيل. وهو أكثر حقيقية واخلاقية من وهم الدولة الواحدة. إن الوضع الراهن هو مزمزة اسرائيلية مستريحة للتفاوض الى درجة محو القومية الفلسطينية. وماذا سنصبح نحن؟ أمة عسكريين.