التاريخ لا يعيد نفسه دائما

حجم الخط
1

في ظلِّ حصار ألفونسو السادس ملك قشتالة لطليطلة ما بين عامي (1084 – 1085) قام ملكها بالإرسال إليه مهدداً بجيوش إخوانه ملوك الطوائف، فما كان من ألفونسو إلا أن أخذ يد ذلك الرسول وسار به إلى إحدى الخيام التي كان يجلس فيها عدد من الرجال يلبسون ملابس عربية وقال له ألفونسو: ‘انظر هؤلاء رسل ملوك الطوائف الذين تهددني بهم جاؤوا ليجددوا عهود ومواثيق الخضوع والجزية بيننا’.
أنشأت روسيا صندوقا لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية في عام 2011؛ فاستثمرت دولة خليجية بخمسة مليارات دولار فيه، ثم لحقتها دولة خليجية أخرى واستثمرت بخمسمئة مليون دولار أيضاً؛ وربما سيكون الحبل على الجرار، روسيا التي تتبنى نظام الأسد، وهي أكبر مدافع عن جرائمه وقد فاق دعمها له كل الدعم الأمريكي لإسرائيل، وهي أيضاً الابن غير الشرعي للاتحاد السوفييتي، الذي كان يُطبَّل و ُزمَّر له، على أنّه أكبر داعم للعرب وقضاياهم، متناسين أنّه اعترف بإسرائيل قبل أمريكا نفسها، اضافة الى الفظائع التي ارتكبها بحق المسلمين. ما أشبه اليوم بالأمس ولكن حقيقةً احترنا من يحمي تلك الأنظمة ويدعمها.
ألفونسو يستبيح طليطلة، وقصور إشبيلية عامرة بالأفراح والليالي الملاح؛ السوريون يمرون على القبور يتمسحون بها، يتمنى أحدهم لو كان أحدها له؛ والفضائيات متخمة بـ’أراب ايدول وأراب جوت تالينت وذا فويس وستار أكاديمي و ….’، لا أحد يطلب أن تموت الناس حزناً على مآسي السوريين أو المصريين أو الفلسطينيين، ولكن هناك درجات من الفظائع والنوائب تجبر مَنْ مازال يحتفظ بين جنبيه بذلك الإنسان أن يحترمها.
التاريخ يعيد نفسه مصطلح يطلق عندما تتكرر الأحداث أو أشباهها بعد عشرات أو مئات السنين، ولكن ماذا نسمي تلك الأحداث التي أصبحت لا تلبث ان تعود بعد أشهر أو أيام.
ما يجري اليوم في مصر السيسي هو ما تتداوله أبواق نظام الأسد منذ سنتين ونصف السنة بدءاً من، مصر تحارب الارهاب، وليس انتهاء بحديث أحد أعوان السيسي عن ضبط سيارات دفع رباعي – خلال الحملة الأمنية على سيناء تركية الصنع، وقوله إنّها هُرِّبَت من أنفاق غزة. وتحدث عن دعم تركي قطري للإرهاب؛ إنّها نفس رواية نظام الأسد عن سيارة جيب إسرائيلية الصنع، وجدها جيشه الممانع وحلفاؤه من اللبنانيين في القصير، ألم يخطر ببال اولئك أن ينظروا إلى المرآه عندما يقولون ذلك. في نهاية التسعينيات جرى الترويج في سورية لإشاعه عن رغبة الجماهير الثورية العريضة بإطلاق ‘مسيرات الرجاء’ لتطالب الأسد الأب بوضع ابنه مكانه بعد وفاته؛ أليس هذا ما يجري في مصر تحت مسمى ‘كمّل جميلك’، أي جميل يريدونه أن يكمّل؟
دخل جيش نظام الأسد درعا في نيسان/ابريل 2011، ثم حمص ثم توالت البلايا، ليكمل احتلاله لأغلب الأراضي السورية مدخلاً البلد في أتون صراع أدمى حتى الحجر، أرجو ألا تكون دلجا هي درعا مصر ولا كرداسة هي حمص مصر، ولكن أين هي بارقة الأمل في ظل كل ذاك النفاق السياسي وتغييب الحق والمنطق والصدح بالإفك؛ الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي وفق صلاحياته هو دكتاتورية وقحة، أما قرار عدلي إلغاء سقف الحبس الاحتياطي، أمر تتطلبه المرحلة الراهنة الحرجة، فالشعب في نظرهم إرهابي وقتل الأبرياء واجب قومي مقدس، معبر طابا مع إسرائيل مفتوح أربعا وعشرين ساعة، لدواع سياحية، أما معبر رفح مع غزة فهو مفتوح أربعا وعشرين ثانية بين حين واخر لدواع أمنية، ربما كان أولئك المرضى أو الطلاب أو العمال يحملون قنابل نووية في جيوبهم.
تمّ ابراز ذكرى وفاة جمال عبد الناصر قبل أيام في وسائل الإعلام، في محاولة للمقارنة والربط بينه وبين السيسي؛ حسناً فهم بذلك لا ينكرون إذا الجرائم والدكتاتورية التي وضعوا البلاد فيها بعد انقلابهم، فبعد مرور كل تلك السنين لم يعد يخفى حتى عن الأطفال الصغار فظائع العهد الناصري وليس من المستغرب أن يبادر السيسي بإقامة وحدة مع بشار الأسد وتكتمل بذلك فصول التاريخ، ولكن هل يجرؤ أيضاً على تأميم ما سُرق من أقوات المصريين؛ لا ربما سيكتفي بتأميم ومصادرة مقر جماعة الإخوان وأموالهم؛ كل ذلك ومازالوا يتحدثون عن اضطهاد الأقليات وأن الإسلاميين لا يعترفون بهم شركاء في الوطن، ولكن ماذا يمكن أن تسمى قرارات وممارسات السيسي تلك؛ ليته يعامل الإسلاميين معاملة كفار قريش.
لماذا لا يعيد لنا التاريخ أياماً مثل القادسية أو حطين؛ مَنْ يستطيع تذكر آخر نصر عربي حقيقي مبين، وهل من عين جالوت أخرى لمغول هذا العصر؟

‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية