تحديات أردنية: شعب غاضب على الأسعار والحكومة ومنطقة متفجرة

حجم الخط
1

عندما يغضب الشارع العربي يصب جام غضبه على حكامه، حيث يتراوح الغضب من الإحتجاج الهادئ إلى الثورات التي تطالب بالتغيير وتمظهرت عبر ما عرف بالربيع العربي الذي أجهض وأنهى أحلام الحرية والعدالة. والأردن ليس بعيدا عن حالة الغضب، فمع أن الحراك الأردني في عام 2011 اتسم بالسلمية ودعا للإصلاحات التي استجاب الملك عبدالله الثاني لبعضها إلا أن مرور سبع سنوات على الربيع في هذا البلد كشفت عن حجم التحديات التي يواجهها، من زيادة الأسعار وفقدان الثقة بين الحاكم والمحكومين وعبء اللاجئين السوريين وسياق الإردن الإقليمي، وإثارة تساؤلات أو منافسة بشأن حراسة الأماكن المقدسة وسياسة أمريكية تقوم على العقاب والثواب بالمنطقة.
ومن هنا كان لافتا في صحيفة «صاندي تايمز» (25/2/2018) عندما قالت إن بعض السكان- على الأقل- الذين قابلتهم طالبوا العائلة المالكة بتخفيض النفقات. وقالت مواطنة أردنية: «نحن نعاني والعائلة المالكة لا تهتم بنا». وأضافت «عليهم تخفيض نفقاتهم حتى يظهروا أنهم مع الشعب ولكنهم لم يفعلوا». وتعلق كاتبة المقال لويزا كالاهان أن الأردن نجى من الربيع العربي إلا أن النذر بعد سبعة أعوام غير مشجعة. وتقول إن الأردن يبدو هادئا ومزدهرا لكنه يسير نحو الكارثة الاقتصادية بسبب اعتماده على الدعم الأجنبي. وزاد من حجم الضيق الاقتصادي فشل السعودية والإمارات والكويت التي عانت من تراجع أسعار النفط، تجديد برنامج الدعم المقدم للأردن بقيمة 2.6 مليار دولار. ورغم زيادة الحكومة الأمريكية دعمها للأردن الذي تراه مهما لاستقرار المنطقة، إلا أن العجز في الميزانية وصل إلى مليار دولار فيما وصل الدين الوطني عن الدخل السنوي العام إلى 95٪ أي بزيادة عن 71٪ في عام 2011.
وبدأت الاحتجاجات الأخيرة عندما قررت الحكومة الأردنية زيادة الضرائب على 169 سلعة بما فيها الطحين مما تسبب بزيادة أسعار الخبز. واندلعت التظاهرات بشكل مباشر وانتشرت لقطات الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية المستقلة عن تجمعات بالمئات في أنحاء متفرقة من البلاد وهم يهتفون شعارات غاضبة عن زيادة الأسعار. ونقلت الصحيفة عن معلق محلي قوله «امنحيها شهرين أو ثلاثة» مشيرا إلى أن «الوضع يزداد تفجرا ولا نعرف ما هي النتائج فلا حدود لما يمكن أن يفعله الناس عندما يجوعون». وفي الوقت الذي صب الناس جام غضبهم على الحكومة التي اتهمت بالفساد، بدأ البعض وخفية بكسر ما كان محرما وانتقاد أسلوب حياة العائلة المالكة. وتقول كالاهان إن معظم من قابلتهم لم يطالبوا برحيل العائلة بل على العكس يريدون استمرارها. ولا يمنع هذا من نقدها الأزمة حيث يقول صحافي محلي إن النقد في تزايد «والرجال والنساء من الطبقات الراقية هم الذين يقولون هذا بالإضافة للطبقة العاملة». وعانت الطبقة المتوسطة من الأزمة الاقتصادية، ومع أن نسبة التعليم تعتبر الأحسن من بين دول المنطقة إلا أن ثلث الشباب (18٪) بدون عمل وهو ما يدفعهم للبحث عن فرص للهجرة. فيما يعيش ثلث الأردنيين تحت خط الفقر وهم الذين عانوا أكثر. وقال ماجد، صاحب مخبز «أعطينا الخبز مجانا للناس لأنهم لا يستطيعون شراءه». ويرى صاحب محل اسمه أحمد أن الفساد هو سبب المشكلة. ذلك أن الأردن صنف العام الماضي في المرتبة 59 من 180 دولة في مؤشر الشفافية العالمية، أدنى من رواندا والسعودية. وقال أحمد «أعرف أن الحكومة هي فاسدة وأنا غاضب وأن هذا ظلم وكمواطن عادي لا أستطيع الحديث علانية لأن هذا سيسبب لي مشاكل. والناس مستعدون لقبول الفساد لو حصلوا على الأمن، وأعرف أن الحكومة تسرق لكنني لا أستطيع عمل شيء ولا أريد أن يصبح الأردن مثل سوريا».
ويعتبر عامل الخوف من سيناريو كسوريا أو غيرها من الدول التي دمرتها الحروب الأهلية، عاملا مهما يدفع الناس للقبول بالوضع إلا أن المحللين يرون أن هناك حاجة لإصلاحات اقتصادية، خاصة أن معظم الميزانية الحكومية تذهب إلى الرواتب والمتقاعدين من القطاع العام المتضخم. ويرى مروان المعشر، وزير الخارجية السابق أن «المشكلة الأساسية هي أن الحكومة ضخمة وكل النفقات تذهب إلى النشاطات غير المثمرة»، وأضاف «كان علينا أن نتوقعها خاصة أننا اعتمدنا ولوقت طويل على نظام الرعاية والدعم الأجنبي لنجد أنفسنا وسط أزمة لا نعرف كيفية الخروج منها». ويرى أن غضب الناس نابع لعدم وجود منظور لنهاية الأزمة وفي كل مرة تواجه الحكومة أزمة اقتصادية فالناس العاديون هم من يدفعون الثمن «ولا نستطيع الطلب دائما من الناس تقديم التضحيات بدون منحهم صوتا، وهو ما أدى إلى الربيع العربي في المقام الأول».
والمفارقة في الأزمة أن حكومة هاني الملقي التي كانت في مركز غضب المواطنين، حملت صندوق النقد الدولي مسؤولية الإجراءات التي اتخذتها من ناحية رفع الضريبة على سلع منها أساسية. ففي مقابلة تلفزيونية يوم 13 شباط (فبراير) قال الملقي إن البلد كان سيفلس لو لم يطبق رزمة الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي ومنها رفع الدعم عن عدد من السلع. ودافع عن حكومته ملقيا اللوم على النفقات العامة غير الحكيمة للحكومات السابقة ووعد بالخروج من «عنق الزجاجة» في العام المقبل. ولم تكن تصريحاته كافية لتطمين الأردنيين خاصة وعوده بحل الأزمة بحلول عام 2019 وقال معلقون على وسائل التواصل الاجتماعي أن الأردن ومنذ التسعينات ينفذ طلبات صندوق النقد الدولي. وتعاني الحكومة أزمة ثقة مع المواطنين، رغم أنها نجت من تصويت لنزع الثقة عنها في البرلمان، وهو ما أثر على شعبيتها المتدنية خاصة أن صندوق النقد الدولي أكد في 15 شباط (فبراير) أنه لم يطلب من الحكومة إصلاحات تزيد من أعباء الفقراء. ويعترف محللون أردنيون أن الأزمة هي نتيجة سياسات فاشلة وليست متعلقة بحكومة واحدة وهو ما يثير المخاوف من انهيار الأمن ويهدد شرعية النظام نفسه. ولا يعرف هؤلاء الكيفية التي سيرد الأردنيون بها على ارتفاع الأسعار خاصة في ظل تسجيل عدد من حالات السطو على البنوك في العاصمة عمان. وفي تقرير لموقع «المونيتور» (20/2/2018) تحدث عن سرقة في محطات الغاز والصيدليات والبريد.
واعترف الملك عبدالله بوجود أزمة اقتصادية في بلاده عندما قال في الأول من شباط (فبراير) أمام طلاب جامعة أن بلاده تدفع ثمن موقفها من القدس، أي رفض إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الأول (ديسمبر) القدس عاصمة لإسرائيل ونقله للسفارة الأمريكية إليها. لكن الربط بين الموقف الرسمي وأزمة محلية لم يكن مقنعا، خاصة أن الأردنيين يعانون منذ وقت طويل. كما أن إدارة ترامب التي هددت سفيرتها نيكي هيلي بتسجيل ومعاقبة الدول التي ترفض إعلان ترامب كانت كريمة مع الأردن، ففي 14 شباط (فبراير) زاد وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون المعونة السنوية للأردن بشكل جعل صحيفة «نيويورك تايمز» (14/2/2018) تقول أن استقبال الأردن له كان وديا مقارنة مع الاستقبال البارد لمايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي الذي ألقى محاضرة حول أهمية القدس للمسلمين.
وضمن الإتفاقية التي وقعها تيلرسون للأردن معونة سنوية بـ1.3 مليار دولار على مدى خمس سنوات مقبلة. وتثير رزمة المساعدات هذه الدهشة خاصة أن إدارة ترامب اقترحت وقف معظم المساعدات الخارجية. وترى الصحيفة أن المساعدة هي تعبير عن الدور المهم الذي لعبه الأردن في قتال المتطرفين في المنطقة، واستقبال ملايين اللاجئين السوريين: «يبدو أن هذه المساعدة تظهر مكانة الأردن لدى الإدارة، خاصة فيما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، مع أن الأردن كان من بين 128 دولة صوتت على قرار الأمم المتحدة الذي شجب اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية قبل شهرين».
وكان ديفيد إغناطيوس المعلق في صحيفة «واشنطن بوست»(7/2/2018) أشاد بالدور الذي لعبته المخابرات الأردنية في مواجهة المنظمات الفلسطينية وتنظيم «الدولة» والقاعدة، وكانت بداية المسيرة العملية لعدد من موظفي سي آي إيه. وأكد إغناطيوس على أن الأردن لا يزال حليفا مهما في مكافحة الإرهاب، مثنيا على قدرة المخابرات الأردنية على تجنيد عملاء في مناطق لا تستطيع أمريكا الوصول إليها. ولكنه أشار لنوع من التوتر في العلاقة القوية بين البلدين، وسببها كما يقول الأزمة الاقتصادية، فالأردن يملك جيشاً ومخابرات قوية لكنه لا يستطيع موازنة البندقية مع السمن. فالجيش والمخابرات يستطيعان حماية البلد والحفاظ على استقراره لكنهما لا يستطيعان خدمة الدين العام. وكان أول شيء سمعه في دائرة المخابرات العامة هو حاجة الأردن لاتفاقية مساعدات عاجلة مع صندوق النقد الدولي.
ويضيف أن الأردن منذ إنشائه عام 1921 مارس سياسة حذرة بالمنطقة ولكنه اليوم محاط بالمشاكل من كل جانب. فنظامه التعليمي وخدماته الاجتماعية تعاني من ضغوط كبيرة بسبب الأزمة السورية و1.3 مليون لاجئ سوري، كما أن الدول المحيطة به، معظمها فاشلة وتعيش حروباً أهلية ونزاعات. ويضاف لهذه الحزمة من المشاكل برودة العلاقات مع السعودية والإمارات ونقل عن مسؤول أردني بارز قوله: «الأحداث تتصاعد والتحالفات تتغير والغموض هو سيد اللعبة». ويواجه الأردن تحديات جديدة من صنع إسرائيل التي حاولت في صيف العام الماضي تغيير الوضع القائم في القدس وما نصت عليه اتفاقية وادي عربة 1994 وهي الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة – الإسلامية والمسيحية- في القدس، ويلحظ إغناطيوس أن السعودية تحاول دفع شبهة الإرهاب عنها مزاحمة الأردن على تقديم إسلام أكثر اعتدالا من اعتدال الأردن. لا شك أن أحوال المنطقة العربية من اليمن وقطر وليبيا والتسوية الأمريكية المقترحة تلقي بظلالها على الأردن، إلا أن الحل للأزمات يبدأ من إعادة الثقة بين الحاكم وشعبه والحفاظ على الثوابت في زمن بات يسخر فيه بعض العرب من أهميتها.

تحديات أردنية: شعب غاضب على الأسعار والحكومة ومنطقة متفجرة

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية