الوثائقي المصري «النسور الصغيرة» : متن تائه يحاول التعلق بهامش لا يمتلك إلا الصخب

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «هل كنت أستحق أبا أفضل من أبي؟» بهذه العبارة التي جاءت على لسان كاتب ومخرج فيلم «النسور الصغيرة» تبدأ الحكاية، التي يحاول من خلالها سرد حكايات أخرى مقارنة بحكايته مع أبيه. وما بين ابن عامل بسيط كأغلبية الشعب المصري، ويعيش في الإسكندرية، التي تعد منذ زمن مكانا مهمشا بالنسبة للقاهرة أو (مصر) كما يدعوها أصحاب المحافظات الأخرى.
من هذا العالم والحياة الهامشية من وجهة نظر صاحب الفيلم، يبدأ البحث عن مثال أعلى يحاول التواصل معه، من أبناء المدينة وآبائهم المناضلين. وفي سياق البحث عن دور نضالي نقترب أكثر من عدة أجيال تحاول تجسيد هذا النضال وفق مفهومها وموقفها من الحياة. الفيلم سيناريو وإخراج محمد رشاد، تصوير محمد الحديدي، مونتاج سيمون الهبر، موسيقى توني أوفروتر، وصوت سارة قدوري.

البحث عن أسطورة

ينتسب محمد رشاد إلى أسرة بسيطة من الإسكندرية، حيث يعمل والده ــ حتى وقت تصوير الفيلم، وربما حتى الآن ــ كوّاء (مكوجي). يحلم الشاب بالرحيل إلى القاهرة، والعمل بالتمثيل، فهو لا يستطيع تخيّل حياته ليؤدي من خلالها دورا وحيدا، كأغلب مخاليق الله، بل لا بد من تنوع الأدوار والحيوات، إلا إنه يستقر على الإخراج كهواية ومهنة. ولكنه لا يملك حكاية ذات قيمة ــ من وجهة نظره ــ فهو ابن عادي لأب عادي لأسرة مصرية تتشابه والكثير من الأسر. فكان الحكي من خلال حكاية نضالية لأبوي كل من صديقيه سلمى سعيد وبسام مرتضى، وهما ابنا المناضلين اليساريين سعيد أبو طالب ومحمود مرتضى، وقد تعرضا للسجن والاعتقال في عهد السادات. لتبدو الحكاية عن شخصيتين من جيل السبعينيات، الذي شهد هزيمته وتأكد منها تماما، اللهم إلا بعض الصخب والحكايات النضالية التي أورثوها لأطفالهم، أو مريديهم إن وجدوا. يفتتن رشاد بهؤلاء وعالمهم وحكاياتهم، ويعاني تماما من حياة وتاريخ والده الباهت ــ من وجهة نظر رشاد الابن ــ فلا نضال ولا سجن ولا اعتقال، ولا حكايات للذاكرة بالتأكيد الفضل الكبير في تضخيمها، ووضعها في مصاف الأساطير.

النسور الصغيرة

يستعير الفيلم اسمه «النسور الصغيرة» من جمعية أسسها مجموعة من الناشطين اليساريين لتجميع أطفالهم، خاصة في الإجازات الصيفية، حيث تتم تنشئة الصغار على التعاليم والفكر اليساري، ومناقشات العديد من القضايا المزمنة في مصر والعالم العربي، كالحرية وحقوق الإنسان وما شابه من هذه القضايا الأبدية. ومن تلاميذ النسور الصغيرة، كل من سلمى وبسام. اللافت أن رشاد نفسه مرّ بتجربة شبيهة، حينما كان في سن الطفولة، حيث انتسب إلى مجموعة من المتأسلمين، لكنه لم يستمر وانفصل عنهم. ورغم الفارق الشاسع بين اليسار والمتأسلمين، إلا أن التكتيكات واحدة، من العيش في دوائر مغلقة/غيتوهات، لأنهما في جميع الأحوال أقلية تبحث عن مأمن في مواجهة السلطة. لم ينبهر رشاد بالمتأسلمين، ربما لأنهم يذكّرونه بوجوده في الظل، لكن اليسار هم الأكثر صخبا، وسينال كل مَن ينتسب إليهم في سهولة وبساطة لقب (مثقف).

جيل يناير وأزمة الوعي

وما بين جيل السبعينيات وصخبه المتواصل نرى جيل 25 يناير/كانون الثاني، ممثلا في (سلمى)، المرتبك أمامها رشاد، لأنها قوية وواثقة من نفسها، لكنه ترد بأنها فقط تبدو كذلك ــ الأزمة عند رشاد إذن ــ أما (بسام) فهو الأكثر جرأة وصراحة، وقد ضاق بما صنعه والده، وهذا المناخ الذي أورثه أفكارا وميولا لا تخصه ولا تعبّر عنه وعن جيله، فكيف يعيش في ظل هذا الميراث الثقيل، وهو الذي كان ضمن مَن ثاروا على فكرة التوريث؟ بسام المبتسم دوما، عاش طفولة حزينة وقد فقد خلالها الأب خلف أسوار السجن. بينما سلمى لا تزال أسيرة حكايات أبيها، الذي لم يزل بدوره يواصل الحكايات، كيف سُجن وعوقِب، وكيف ازداد تصميما على مواصلة النضال، وقد شعر بعد وجبة الضرب المبرح الذي ناله، بأنه أكثر حرية وقوة. والد سلمى الآن يعمل مسؤولا في أحد المصانع، حيث يعاني العمال من أحوالهم السيئة، لكن وضع القيادة أو الإدارة مرهون بشروط أخرى لم تعد تنتمي لعهد السبعينيات. أما والد بسام، فيشعر في صدق بمدى الندم الذي يعيشه الآن، وقد أصبح لا يتعرّف ابنه جيدا، حتى يرى أن عمره وحياته ربما سارت به في الاتجاه الخطأ. هكذا يعترف الرجل بدون ادعاء بطولي فارغ، أو سرد المزيد من الحكايات الواهية.

المتن التائه

ووسط هذا الزخم من الحكايات المهمة ــ من وجهة نظر صاحب الفيلم ــ تتسرب حكاية الأب، الرجل الذي لم يمتلك حكاية تليق بفيلم، لكنه امتلك صيغة للحياة، حاول من خلالها المواصلة والعيش الحقيقي ــ كلمة النضال أصبحت سيئة السُمعة ــ لم يزل الرجل يقف على قدميه بالساعات مواصلا العمل، ليصبح هو وأدواته داخل المحل الضيق عبارة عن كيان واحد، لا يمتلك حكايات لأنه مُنشغل بحكاية أكبر، هي حكاية وجوده. ورغم ما يظن الابن أن الأب لا يمتلك سوى التفاصيل الباهتة، إلا أن الرجل جاءته لحظات اختيار فاصلة في الحياة، كالسفر للعمل في إحدى دول الخليج، وقت هوجة جنة الخليج، إلا أنه امتنع وقرر البقاء في مصر بجوار أسرته، رغم ما سيتكلفه من عناء ومشقة، حتى يستقيم حال الأسرة بوجود ربّها معها. كانت هذه وجهة نظر الرجل، الذي بدأ الفيلم بتساؤل صاحبه عن مدى استحقاقه بأب أفضل من أبيه.
يتماس الفيلم مع الكثير من الحالات المشابهة، فكرة الوجود في دائرة الضوء، أو حتى مجرّد الانتساب إلى أصحابها تعد الحل الأمثل كتعويض عن نقص متأصل. أولاد القرى أو المدن البعيدة عن المركز يعاني معظمهم هذه الآفة (الشعور بالضآلة) مهما حققوا أو بدا لهم أنهم حققوا من إنجازات. فكرة الانتساب إلى فئة أعلى ــ يتوهمون أنها أعلى ــ هي الهاجس الملازم لهؤلاء. وبما أننا في مجال العمل الفني/التخييل، لنا أن نستشهد بعمل فني آخر.. ففي رواية «مزاج التماسيح» للكاتب والروائي رؤوف مسعد هناك أحد المشاهد الدالة على مثل هذه الحالات، فالبطل المناضل والهارب من السلطة، لم يجد مأوى سوى فيلا هجرها أصحابها وقت التأميم أو ما شابه، فالمكان آمن لأنه شبه مغلق، وكانت ابنة أصحاب الفيلا تأتي إليه كيفما اتفق بالطعام والصحف، وكان المكان الأكثر أمنا بالفيلا هو (حجرة البواب)، خشية أن يلحظ أحد ذلك. وبتواتر الزيارات، حاولت الفتاة أن تثبت نضالها بدورها، فمارست معه الحب، فما كان من صديقتهما المشتركة ــ التي توسطت لوجوده في هذا المكان ــ أن تطلعه على الحقيقة.. بأنه حتى إن أقام مع ابنة الذوات علاقة، فإنها لم تتم إلا في حجرة البواب.

الوثائقي المصري «النسور الصغيرة» : متن تائه يحاول التعلق بهامش لا يمتلك إلا الصخب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية