من حسنات تاريخنا توثيقُهُ ﻷحاديث قامات الأدب العربي، وهذه الأحاديث تستبطن رؤية الأدباء للفن، لننظر في هذا الكلام الذي جهر به أبو نواس في إحدى لماته الشعرية: «ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دوواين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى الأخيلية، فما ظنكم بالرجال؟».
إن هذا الحديث يقدم صورة أخرى ﻷبي نواس تنماز عن تلك الصورة التي تشكلت في لاوعينا الجمعي عن هذا الاسم الشعري، فأبو نواس قارئ خبير بالشعر العربي في سيرورته التاريخية، أي أن النواسيّ قبل أن يسْرُج القصيدة خبر دروب القصيد القديم، وساح ـ بفكر متقد ـ في جمهرة أشعار العرب. وليس يهمنا من كلام أبي نواس عن نفسه ما يحمله من نبرة فخر واعتداد بذاكرته الأدبية، وإنما يهمنا أن نستنطق مضمر هذا الحديث، ففي البنية العميقة لهذا الحديث تنزوي فكرتان مركزيتان، تتجلى إحداهما في أن أبا نواس يؤمن بأن العقل ليس بمقدوره أن يبرعم شعرا ما لم يرتو بـ«مياه» من ينابيع الشعر العربي القديم، أي أن القراءة هي أُمُّ الإبداع الشعري، وأن الشاعر لن يمتلك ناصية القصيدة ما لم يطلع على ما أنتجه العقل الشعري في سيرورته التاريخية، وتتجلى الفكرة الأخرى في أن أبا نواس يؤمن بأن الفعل الشعري فعل توليديّ، أي أن الشاعر حين ينشد شعرا إنما يُوهمُ نفسه وجمهوره بأنه أبدع ﻷن نشيده الشعري إنما ينْولدُ من بقايا نصوص قديمة وآثار أناشيد شعرية تنزوي في ذاكرته القرائية. ومحكم القول إن النواسي يرى أن كل أديب إنما هو ذاكرة من أدب، كما يرى أن النص الشعري نص هجين تنزوي في بناه التحتية نصوص غائبة وأرواح شعرية. من هنا فالصورة التي نبتغي أن توشم في وجدان العامة عن أبي نواس هي أن هذا الرجل كان قارئا أو راويةٌ بالعرف القديم، أو بعبارة أوضح إن لهذا الرجل تاريخا مديدا في معاشرة النصوص الشعرية ومصادقة قامات الشعر العربي تذوقا وتأملا ونقدا. وليس أبو نواس عارفا بشعاب الشعر العربي وحسب، بل كان عارفا، كذلك، بعلوم عصره معرفة لم تستكن للزاد اليسير، بل فاقته إلى التفقه العميق، ودوننا شهادة ابن المعتز عن النّواسيّ فخليق بها أن ترينا نواسيا آخر غير الذي سرب، عن سوء نية، إلى ذاكرتنا أي أبو نواس القارئ الموسوعي: «كان أبو نواس عالما فقيها عارفا بالأحكام.. بصيرا بالاختلاف.. صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه.»
إن أزمتنا اليوم في كثرة المعروض الأدبي وقلة الطلب القرائي، وهذا الواقع أدى إلى خلل في الميزان الإبداعي، والسبب في هذه الأزمة يعود إلى أن شلة من «أدباء» عصرنا لم يكونوا يوما قراء أي عبروا إلى طور الكتابة بدون أن يعبوا من مسطور الأولين، ومن نتائج ذلك تكدس أعمال «أدبية» غير أصيلة تعاني من خور على مستوى البناء، وخواء على مستوى الرؤية، وكذا من إيغال في الغموض غير الإيجابي لكي لا تنفضح سوْءتها. ولهذا السبب تعيش هذه الأعمال حجْرا قرائيا، إذ تكاد مثل هذه النصوص لا تقرأ إلا من صاحبها أو من ناقد من أولي القربى. وحلُّ هذه الأزمة التي ضربت المكتوب الأدبي في مقتل إنما يكمن في إحياء «أدبائنا» لسيرة أبي نواس، أي أن يؤمنوا، كما آمن النواسي، بأن الكتابة فعل تال على فعل القراءة، وأن يصادقوا، كما صادق النواسي، قامات الأدب العربي، بل ينبغي عليهم، في ظل عولمة المعرفة، أن يغرفوا من مشربيات متنوعة من فلسفة وتاريخ وميثولوجيا وغيرها، فالكتابة ينبغي ألا نقترب منها إلا ونحن سكارى بأنخاب من الأدب الأصيل.
٭ كاتب مغربي
محمد الساهل